التحول الرقمي والحوكمة…علاج ناجع لوزارة المالية نحو حماية المال العام

بقلم : عبدالعزيز عبدالله عبدالمحمود

مقالات : تي نيوز

بين الجدل الواسع والفساد المتفشي والاعتداء علي المال العام يظل الحوكمة الرقمية  حلم كبير  ينتظر التوسع فيه وهل يستطيع التحول الإلكتروني أن يضع حدًا للتعدي على المال العام في السودان؟ سؤال صعب الإجابة عليه.....منذ سنوات، لم يعد الحديث عن المال العام في السودان مجرد نقاش اقتصادي، بل قضية كاملة الدسم فارضة نفسها بقوه علي  الرأي عام. فكلما تعثرت الخدمات أو اشتدت الأزمات الاقتصادية، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة: أين تذهب الموارد العامة مال الدولة؟ وهل المشكلة في قلة الإيرادات أم في طريقة إدارتها؟ وقد تناولت مئات المقالات والتحقيقات الصحفية والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي قضية الاعتداء على المال العام، بين من يتحدث عن الفساد الإداري، ومن يركز على ضعف الرقابة، ومن يرى أن تعدد قنوات التحصيل ، النزاهة المتواضعة جدا لدى المسؤلين ، وغياب الأنظمة الإلكترونية كل ذلك شكّل بيئة خصبة للتسرب المالي وتجاوزات هنا وهناك ،، بينما اختلطت أحيانًا الحقائق بالشائعات، والتحليل بالاتهامات غير المستندة إلى أدلة. وسط هذا السجال، يبرز سؤال أكثر أهمية من تبادل الاتهامات: كيف يمكن حماية المال العام عمليًا؟ .  

حقيقة نستطيع ان نقول العالم يتجه إلى الرقمنة… لا إلى الشعارات
في مارس 2025 وقّعت الإدارة الأمريكية أمرًا تنفيذيًا يقضي بتحديث نظام المدفوعات الحكومية، مبررة ذلك بأن وسائل الدفع الإلكترونية أكثر أمانًا وأقل عرضة للاحتيال مقارنة بالشيكات الورقية. الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة؛ فهي امتداد لمسار عالمي تتبناه الحكومات والبنوك المركزية، يقوم على تقليل التدخل البشري في التعاملات المالية، وربط العمليات إلكترونيًا، بحيث تصبح كل حركة مالية قابلة للتتبع والمراجعة بطريقة ادق.لقد أدركت الدول أن حماية المال العام تبدأ من تصميم النظام نفسه، لا من كثرة لجان التحقيق بعد وقوع المخالفات. السودان… هل بدأ الطريق الصحيح؟
في خضم ظروف اقتصادية وأمنية معقدة، شرعت وزارة المالية السودانية في استحداث نظام رقمي للإيرادات، في خطوة ينظر إليها كثير من المختصين باعتبارها تحولًا مهمًا في فلسفة إدارة المال العام.
فالنظام لا يقتصر على استبدال الإيصالات الورقية بأخرى إلكترونية، وإنما يؤسس لمنظومة تسمح بتسجيل عمليات التحصيل إلكترونيًا، والحد من التلاعب، وتعزيز الرقابة، وإتاحة بيانات دقيقة تساعد في التخطيط واتخاذ القرار.

ويرى خبراء الإدارة المالية أن أي نظام رقمي ناجح يحقق عدة مكاسب، منها: –
تقليل فرص التلاعب بالإيصالات والتحصيل النقدي ووقاية من النهب السطو . رفع كفاءة الإيرادات. . تسهيل أعمال المراجعة والمحاسبة.
توفير بيانات لحظية عن الإيرادات تساهم في التقارير الفورية. تقليل الاحتكاك المباشر الذي قد يفتح الباب للممارسات غير القانونية.
للذللك لم تعد الرقابة اليوم تعتمد فقط على المفتش أو المراجع،الذى يمكن أن يتأثر بالاستقطابات وشلليات الكثيرة بل تكون الخوارزميات وقواعد البيانات والمعادلات الرقمية والربط الإلكتروني تقوم بجزء كبير من المهمة.

فالأنظمة الحديثة تستطيع اكتشاف العمليات غير الطبيعية، وتسجيل كل عملية باسم منفذها وتوقيتها ومكانها، مما يجعل التلاعب أكثر صعوبة من ذي قبل.
ولذلك تتجه كثير من الدول إلى أنظمة مثل:
الفوترة الإلكترونية.
التحصيل الإلكتروني.
التوقيع الرقمي.
الهوية الرقمية.
الدفع الحكومي الإلكتروني.
الربط المباشر بين وزارة المالية والبنوك والأجهزة الإيرادية.
هل تنتهي قضية المال العام بمجرد شراء نظام إلكتروني؟
الإجابة ببساطة: لا.
فالأنظمة الإلكترونية قد تمنع جزءًا كبيرًا من التسرب والاعتداء علي المال العام لكنها لا تستطيع وحدها القضاء على الفساد إذا غابت الإرادة المؤسسية والقيادة الرشيدة . فالرقمنة تحتاج إلى:
تشريعات حديثة.
استقلالية أجهزة المراجعة.
كوادر مؤهلة.
أمن سيبراني قوي.
شفافية في نشر البيانات.
مساءلة حقيقية دون استثناء.
فالتقنية تمنح الدولة أدوات أفضل، لكنها لا تغني عن الحوكمة الرشيدة.

بين الحقيقة والضجيج
في السنوات الأخيرة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بروايات تربط أي تحديث مالي بمشروعات عالمية مثل QFS أو NESARA/GESARA أو بعملات رقمية ستغير النظام المالي العالمي.
ورغم الانتشار الواسع لهذه الروايات، فإن معظمها يفتقر إلى أدلة رسمية، بينما تؤكد التجارب الواقعية أن الإصلاح المالي يبدأ بخطوات عملية وشفافة: تحديث الأنظمة، وتطوير التشريعات، وتعزيز الرقابة، وليس بالوعود غير الموثقة.
ولعل هذا الخلط بين الحقائق والنظريات جعل المواطن العادي أكثر حيرة، وأقل ثقة في أي إعلان يتعلق بالإصلاح الاقتصادي.
التجربة السودانية… بداية تستحق البناء عليها
إن استحداث نظام الإيرادات الرقمي في السودان ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعًا وطنيًا يتجاوز الحكومات والأشخاص، لأنه يتعلق بحماية موارد الدولة نفسها.

فإذا اكتمل المشروع بربط جميع الوحدات الحكومية، واعتماد الدفع الإلكتروني، وتفعيل الفوترة الإلكترونية، وربط أجهزة المراجعة بالبيانات لحظيًا، فإن ذلك قد يمثل واحدة من أهم الإصلاحات المالية التي شهدتها البلاد منذ سنوات.
الطريق ما يزال طويلًا
لا توجد دولة في العالم قضت على الفساد بقرار واحد، كما لا توجد منظومة إلكترونية معصومة من الأخطاء.
لكن المؤكد أن الدول التي نجحت في تقليل الاعتداء على المال العام لم تعتمد على الخطابات، بل بنت أنظمة تجعل التلاعب أكثر صعوبة، وتزيد من سرعة اكتشافه ومحاسبة مرتكبيه.

وفي هذا البلد ، حيث تفرض الظروف الاقتصادية والحرب ضغوطًا هائلة على الموارد العامة، يصبح كل جنيه يُحمى من الهدر موردًا إضافيًا للتعليم والصحة والمياه والخدمات الأساسية.
ربما لا يكون التحول الرقمي هو الحل الوحيد، لكنه بالتأكيد أحد أهم مفاتيح الإصلاح المالي في القرن الحادي والعشرين.
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في شراء أجهزة أو إطلاق منصات إلكترونية، بل في بناء ثقافة مؤسسية تجعل التكنولوجيا شريكًا في حماية المال العام، وتجعل الشفافية قاعدة، والمساءلة ممارسة، والثقة بين الدولة والمواطن هدفًا لا يقل أهمية عن زيادة الإيرادات نفسها.

فالدول الحديثة لا تُقاس فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على حماية تلك الموارد وإدارتها بكفاءة وعدالة، وهي معركة لا تُحسم بالشعارات، وإنما بالحوكمة الرشيدة، والرقمنة، وسيادة القانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الإعلام.. مساحة للجميع وسلاحٌ لا يُحسن استخدامه إلا من يفهمه

بقلم : د جهاد البدوي مقالات : تي نيوز يخطئ كثيرون في النظر إلى الإعلام باعتباره مجرد خبر ي…