أسباب إنهيار العملة في السودان

بقلم : بروفسير طارق محمد حسن حربي

متابعات : تي نيوز

عندما ترتفع أسعار العملات الأجنبية أمام الجنيه السوداني فإن المواطن يرى النتيجة مباشرة في سعر الغذاء والدواء والمواصلات وكل احتياجات الحياة. لكن ارتفاع سعر الصرف ليس هو المشكلة وحدها، بل هو في كثير من الأحيان مرآة تعكس اختلالات أعمق في الاقتصاد.

الحرب أضعفت الإنتاج ودمرت جزءا كبيرا من البنية التحتية وعطلت التجارة والخدمات وقللت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الحقيقي للسودان انكمش بصورة واضحة في سنوات الحرب و ايضا قبلها كما ارتفع التضخم إلى مستويات شديدة الارتفاع.

عند ما يقل الإنتاج والصادرات وتقل تدفقات النقد الأجنبي بينما يستمر الطلب على الدولار لاستيراد الغذاء والدواء والوقود والسلع الأساسية فإن الضغط على العملة المحلية يصبح طبيعيا. لذلك فإن معالجة سعر الصرف تبدأ من الاقتصاد الحقيقي وليس من سعر الدولار وحده.

أول طريق للعلاج هو الإنتاج. السودان يمتلك أراضي زراعية وثروة حيوانية وموارد معدنية وإمكانات صناعية كبيرة. لكن تصدير الموارد في صورتها الخام يحرم الاقتصاد من جزء كبير من القيمة المضافة. القطن مثلا لا ينبغي أن يكون مجرد محصول يصدر خاما بل يمكن أن يرتبط بصناعات الغزل والنسيج والملابس. والثروة الحيوانية لا ينبغي أن تنتهي عند تصدير الماشية فقط بل يمكن تطوير المسالخ والصناعات الجلدية والغذائية.

كل طن ينتج داخل السودان ويحول إلى منتج نهائي يعني وظائف أكثر وقيمة مضافة أكبر وعملة أجنبية أكثر.

لكن الإنتاج وحده لا يكفي إذا ظل الفساد يستهلك جزءا من الموارد. مكافحة الفساد ليست شعارا أخلاقيا فقط بل هي سياسة اقتصادية. المال الذي يخرج من الاقتصاد بسبب الفساد هو مال كان يمكن أن يمول مدرسة أو طريقا أو محطة كهرباء أو مشروعا إنتاجيا.

وهنا تأتي أهمية سيادة القانون والتشريعات الواضحة. المستثمر المحلي والأجنبي يحتاج إلى أن يعرف أن أمواله وعقوده وحقوقه محمية وأن المنافسة تقوم على قواعد واضحة لا على العلاقات والنفوذ.

أما القطاع المصرفي فيجب أن يكون جزءا أساسيا من الحل. المطلوب نظام مصرفي قادر على معرفة حركة الأموال ومصادرها ومراقبة العمليات غير الطبيعية وتطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. وفي الوقت نفسه يجب ألا تتحول الرقابة المصرفية إلى تعطيل للنشاط الاقتصادي المشروع.

ومن المهم كذلك أن تصبح حركة النقد الأجنبي أكثر شفافية. عندما تكون هناك فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسوق الموازي فإنها تخلق حوافز للمضاربة وتضعف الثقة في النظام المالي. لذلك تحتاج الدولة إلى سياسة نقدية ومالية متناسقة وسوق صرف أكثر شفافية وإجراءات تقلل الاقتصاد الموازي تدريجيا.

كما أن تمويل عجز الدولة بطباعة النقود دون زيادة مقابلة في الإنتاج يمكن أن يخلق ضغطا إضافيا على الأسعار وسعر الصرف. وقد أشار البنك الدولي إلى أن تمويل العجز نقديا كان أحد مصادر الضغوط التضخمية في السودان.

الحل إذن ليس قرارا واحدا ولا إجراء سحريا.

نحتاج إلى سلام واستقرار ثم إنتاج ثم صادرات ثم نظام مصرفي قوي ثم قانون ومؤسسات ورقابة ثم ثقة.

إذا أنتج السودان أكثر مما يستهلك وصدر أكثر مما يستورد وزادت الثقة في الجهاز المصرفي وانخفض الفساد وأصبحت موارد الدولة تحت الرقابة فإن الطلب على العملات الأجنبية سيتغير تدريجيا وتتحسن قدرة الجنيه على الاستقرار.

والأهم أن ننظر إلى الجنيه السوداني باعتباره نتيجة للاقتصاد وليس سببا لكل مشكلات الاقتصاد.

لا يمكن أن نطلب من الجنيه أن يكون قويا بينما اقتصادنا ضعيف.

قوة العملة تبدأ من قوة الدولة وقوة الإنتاج وسيادة القانون وثقة المواطن والمستثمر في الاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بنك الخرطوم يحذر العملاء من روابط مجهولة بقصد تحديث بيانات بنكك

متابعات : تي نيوز اطلق بنك الخرطوم تحذيرا مهما لكافة مستخدمي تطبيق بنكك !وقال مخاطبا عملائ…