التكايا ولجان الطوارئ الإنسانية.. مدخل لصناعة القادة

بقلم: الدكتور زكريا آدم محمد الرشيد

مقالات : تي نيوز

لم تكن التكايا ولجان الطوارئ الإنسانية التي انتشرت في مدن وقرى السودان مجرد استجابة عاجلة لإطعام الجوعى في زمن الحرب. لقد كانت أكبر من ذلك. كانت "معملاً" و "مدرسة ميدانية" أنتجت نوعاً جديداً من القيادات التي تعلمت القيادة في الصف، لا في القاعات.

في الظروف الطبيعية، يصنع المنصب القائد. أما في زمن الأزمة، فالمعاناة هي التي تصنع القائد.
الشاب أو الفتاة الذي وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن إطعام 300 أسرة يومياً، وتنسيق المتطوعين، وجمع التبرعات، وحل النزاعات في الصف، لم يكن لديه وقت للتنظير. كان عليه أن يقرر، وينفذ، ويحاسب نفسه في نهاية اليوم.
هنا تحولت التكية من مكان للطعام إلى منصة تدريب عملي على أصعب مهارات الإدارة.

التجربة الميدانية منحت المتطوعين مهارات لا تمنحها 4 سنوات دراسة.
تعلموا إدارة الأزمات والموارد الشحيحة، فالسؤال الذي واجههم يومياً: كيف توزع 3 جوالات دقيق على ألف شخص؟ علمهم التخطيط، وتحديد الأولويات، والابتكار في ظل العجز.

وتعلموا القيادة بالقدوة. فالقائد في اللجنة لم يكن يجلس على كرسي. كان أول من يطبخ، وآخر من يغادر. كسب احترام الناس بعمله لا بصوته.

كما علمتهم التجربة حل النزاعات المجتمعية. فالجوع يولد التوتر. وتعلم أعضاء اللجان كيف يهدئون الغاضب، وينظمون الصفوف، ويحكمون بالعدل حتى لا يتحول الصف إلى معركة.

وأدركوا قيمة العمل المؤسسي والتنسيق. فنجاح أي تكية كان يعتمد على فريق. فريق للمطبخ، وفريق للتوزيع، وفريق للعلاقات. تعلمنا معنى التكليف والمساءلة والعمل الجماعي.

وغرست فيهم التجربة الضمير الحي. من يرى طفلاً يبكي من الجوع كل يوم، لا يمكن أن يصبح مسؤولاً فاسداً في الغد. التجربة زرعت إحساساً عالياً بالمسؤولية العامة تجاه الوطن والمواطن.

اليوم وبعد أن خفت حدة الأزمة في كثير من المناطق، يواجهنا سؤال مصيري: ماذا سنفعل بهذا “الرأسمال البشري”؟
هؤلاء الشباب والشابات هم أخطر ما أنتجته الحرب وأجمله. لديهم شرعية ميدانية وخبرة عملية.

المطلوب الآن هو توثيق هذه التجارب وتحويل قصص نجاح اللجان إلى مناهج تدريبية.
وعلى الأحزاب والمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني أن تفتح أبوابها لهؤلاء القادة الميدانيين وتضمهم لصفوفها.
كما يجب أن نعمل على التحول من الإغاثة للتنمية، فبنفس روح التكايا يمكن أن ننشئ جمعيات تعاونية ومشاريع إنتاجية صغيرة.

أثبتت التجربة السودانية أن القائد لا يولد في المكاتب المكيفة، بل يولد في الميدان.
ولجان الطوارئ قدمت لنا دليلاً عملياً: القيادة هي خدمة، والمسؤولية تكليف.
إذا أردنا سوداناً جديداً، فعلينا أن نبدأ بمن أطعمونا في أصعب الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ضبط ألبان غير صالحة للاستخدام بجبل أولياء

تم توقيف أربعة متهمين ضبطوا متلبسين بحيازة كميات كبيرة من اللبن الحليب المخزن داخل براميل …