الشهادة السودانية… من إصلاح الامتحان إلى إعادة بناء الدولة المعرفية

إعداد: المهندس: خالد مصطفى الصديق الفزازي /خبير الإستراتيجية واقتصاد المعرفة

متابعات : تي نيـوز

⚡تعقيب على مقال الأستاذ والخبير المصرفي Walid Dalil

يستحق مقال الأستاذ وليد دليل التقدير؛ لأنه نقل النقاش من مجرد نسب النجاح والرسوب إلى القيمة الاقتصادية للتعليم، وهي زاوية كثيراً ما غابت عن الخطاب التربوي السوداني.
كما أن دعوته إلى تحديث مسارات التعليم وربطها باحتياجات سوق العمل تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.

غير أن جوهر القضية، في تقديري، أعمق من ذلك بكثير.

فالمشكلة ليست في الشهادة السودانية وحدها، ولا في الامتحان النهائي، ولا حتى في محدودية مقاعد الجامعات، وإنما في غياب رؤية وطنية متكاملة لإدارة رأس المال البشري بوصفه المورد الاستراتيجي الأول للدولة.

لقد تغير العالم بصورة جذرية. فلم تعد الأمم تتنافس بما تملكه من النفط أو الذهب أو الأراضي الزراعية، وإنما بما تمتلكه من المعرفة والابتكار والمهارات. واليوم أصبحت القيمة السوقية لشركات المعرفة والتقنية تفوق الناتج المحلي لدول كاملة، بينما لا تزال كثير من الأنظمة التعليمية العربية، ومنها السودان، تقيس نجاح الطالب بقدرته على استرجاع المعلومات، لا بقدرته على إنتاجها أو توظيفها.

إن الأزمة الحقيقية تبدأ منذ المرحلة الأساسية، حيث يظل الطالب سنوات طويلة يتلقى المعرفة بصورة أحادية، بينما تغيب عنه مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، وريادة الأعمال، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتحليل الإحصائي، وإدارة البيانات، وهي المهارات التي أصبحت تمثل العملة الحقيقية في الاقتصاد العالمي.

ومن هنا فإن تطوير الشهادة السودانية ينبغي ألا يقتصر على إنشاء مسارات جديدة أو زيادة فرص الامتحان، لأن هذه الإجراءات، على أهميتها، ستظل حلولاً جزئية إذا بقيت فلسفة التعليم نفسها دون تغيير.

فالمدرسة الحديثة لم تعد مكاناً لحفظ المعلومات، بل أصبحت مصنعاً لإنتاج الإنسان القادر على التعلم مدى الحياة.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يقوم على خمسة محاور مترابطة:

أولاً: التحول من تعليم المحتوى إلى تعليم الكفاءة، بحيث تصبح المخرجات قائمة على ما يستطيع الطالب إنجازه عملياً، لا على كمية المعلومات التي يحفظها.

ثانياً: بناء منظومة وطنية لاكتشاف الميول والقدرات منذ المراحل المبكرة، لأن توزيع الطلاب بين العلمي والأدبي وحده لم يعد يعكس التنوع الحقيقي للمواهب البشرية.

ثالثاً: إنشاء مسارات تقنية ومهنية متكافئة في القيمة الاجتماعية مع التعليم الجامعي، حتى لا تظل الجامعة الخيار الوحيد المقبول مجتمعياً، بينما تحتاج الدولة إلى الفنيين والتقنيين بقدر حاجتها إلى الأطباء والمهندسين.

رابعاً: إعادة تصميم العلاقة بين المدرسة والاقتصاد، بحيث تصبح المؤسسات الإنتاجية والقطاع الخاص شريكاً في بناء المناهج والتدريب والتقييم، لا مجرد مستقبِل لمخرجات التعليم.

خامساً: تبني منظومة تقييم مستمرة تعتمد على المشاريع، والبحث، والابتكار، والعمل الجماعي، والاختبارات المرحلية، بحيث لا يصبح مستقبل الطالب رهينة ساعات معدودة من الامتحان النهائي.

ومن زاوية اقتصادية، فإن ما يسمى اليوم بـ”الفاقد التربوي” لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشكلة تعليمية فقط، بل هو في الحقيقة فاقد في الناتج المحلي، وفاقد في الإنتاجية، وفاقد في الأمن الاجتماعي، لأن كل شاب يغادر المدرسة دون مهارة قابلة للتوظيف يمثل خسارة مزدوجة؛ خسارة للدولة التي استثمرت في تعليمه، وخسارة للاقتصاد الذي فقد قوة إنتاجية كان يمكن أن تسهم في التنمية.

لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو أن السودان يمتلك فرصة تاريخية لبناء نموذج تعليمي مختلف، مستفيداً من الثورة الرقمية، ومن التعلم الإلكتروني، ومن الذكاء الاصطناعي، ومن التعليم المفتوح، بحيث لا تظل جودة التعليم مرتبطة فقط بالمباني أو الموقع الجغرافي أو الظروف الأمنية.

كما أن إعادة الإعمار التي سيشهدها السودان مستقبلاً ستحتاج إلى مئات الآلاف من الفنيين والمهندسين والتقنيين ورواد الأعمال، أكثر مما تحتاج إلى التوسع في التخصصات النظرية التقليدية، وهو ما يستدعي إعادة رسم الخريطة التعليمية وفق احتياجات التنمية الوطنية، لا وفق أنماط اجتماعية ورثناها منذ عقود.

إن إصلاح الشهادة السودانية يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني أكبر لإعادة بناء الإنسان السوداني، لأن الشهادة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لإعداد مواطن قادر على التفكير والإنتاج والابتكار والمنافسة عالمياً.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم طالباً نجح في الامتحان؟

بل أصبح: كم شاباً أصبح قادراً على صناعة قيمة اقتصادية ومعرفية لوطنه؟

ذلك هو المؤشر الذي تقاس به الدول في القرن الحادي والعشرين، وذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن تتوجه إليه سياسات التعليم السودانية إذا أرادت بناء اقتصاد معرفة قادر على المنافسة، وتحويل الكثافة السكانية الشابة من عبء تنموي إلى أعظم ثروة استراتيجية يمتلكها السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من روائع مقالات الأديب الراحل الطيب صالح .. ذكريات مع فرقة البلابل

مقالات : تي نيوز الأديب الراحل الطيب صالح يكتب في هذا المقال بوفاء وشجن عن فرقة “الب…