متابعات : تي نيوز
🔹 الصحافة في صورتها المثالية مهنة تبحث عن الحقيقة وتضع المجتمع أمام ما يحدث لا أمام ما يراد له أن يراه لكن خلف هذه الصورة النبيلة توجد حقيقة أخرى كثيرا ما نتجنب الحديث عنها الصحافة صناعة تحتاج إلى المال حتى تستمر تحتاج إلى صحفي ومحرر ومصور ومصمم ومراسل وتقنيات واتصال ومقر وتدريب ونقل وأدوات تحقق ولذلك فإن السؤال عن مستقبل الصحافة لا يمكن أن يبدأ دائما من سؤال الحرية والمهنية فقط بل يجب أن يبدأ من سؤال أكثر واقعية وربما أكثر إزعاجا من يدفع للصحافة حتى تستطيع أن تقول الحقيقة….
🔹 لسنوات طويلة كان اقتصاد الصحافة يقوم على معادلة واضحة القارئ يدفع جزءا والمعلن يدفع الجزء الأكبر والمؤسسة تنتج الصحيفة وتبيع المساحة الإعلانية وتعيد استثمار العائد في العمل الصحفي لكن هذه المعادلة اهتزت مع ظهور الإنترنت ثم الهواتف الذكية والمنصات الاجتماعية أصبح الخبر يصل إلى القارئ قبل أن تصل إليه الصحيفة وأصبح المعلن قادرا على الوصول إلى جمهوره مباشرة بينما اعتاد جزء كبير من الجمهور على الحصول على الأخبار مجانا وهنا بدأت الصحافة تخسر شيئا مهما ليس فقط المال ولكن قدرتها على تمويل إنتاج المعلومة نفسها….
🔹 المفارقة أن الصحافة الرقمية خفضت تكلفة النشر لكنها لم تخفض تكلفة الصحافة تستطيع اليوم إنشاء صفحة إخبارية خلال دقائق وتستطيع نشر الخبر دون مطبعة أو سيارة توزيع أو أكوام من الورق لكن إنتاج صحافة حقيقية ما زال يحتاج إلى إنسان يعرف كيف يسأل ويتحقق ويقارن ويبحث خلف الرواية الأولى ولذلك فإن سهولة إنشاء المنصة لا تعني سهولة إنشاء المؤسسة الصحفية وهنا وقع كثيرون في الخلط بين امتلاك منصة وامتلاك صحافة فالمنصة تستطيع أن تنشر أي شيء أما الصحافة فعليها أن تتحمل مسؤولية ما تنشر….
🔹 ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة إذا كان الجمهور يريد الأخبار مجانا فمن الذي سيدفع فاتورة الصحفي وإذا كان الإعلان وحده غير كاف فمن أين تأتي المؤسسة بإيراداتها هنا ظهرت نماذج جديدة مثل الاشتراكات والعضويات والرعاية والمحتوى المتخصص والفعاليات والتدريب والبودكاست والإعلانات الرقمية والشراكات لكن كل نموذج يحتاج إلى جمهور يثق بالمؤسسة ومستعد لأن يدفع من ماله أو وقته أو انتباهه وهذا يعني أن مستقبل الصحافة لن تحدده جودة الخبر وحدها بل قدرة المؤسسة على تحويل الثقة التي تبنيها مع الجمهور إلى نموذج اقتصادي قابل للاستمرار….
🔹 وفي السودان تصبح المسألة أكثر تعقيدا لأن الصحافة تعمل داخل اقتصاد منهك وحرب أضعفت المؤسسات وأثرت على الإعلان والتوزيع والدخل الفردي وأصبح الوصول إلى الإنترنت نفسه جزءا من تكلفة العمل الصحفي بينما يواجه الصحفي ضغوطا مهنية ومعيشية في وقت واحد ولهذا فإن مطالبة الصحافة بأن تكون قوية ومستقلة من دون بناء اقتصاد قادر على حملها تبدو أقرب إلى مطالبة شخص بأن يجري طويلا وهو يحمل حجرا ثقيلا على ظهره المشكلة ليست دائما في رغبة الصحفي في الاستمرار وإنما في البيئة التي تجعل الاستمرار نفسه معركة….
🔹 الأخطر أن أزمة التمويل يمكن أن تتحول بهدوء إلى أزمة استقلال فعندما تعجز المؤسسة عن تمويل نفسها قد تبحث عن ممول والممول قد يبحث عن مساحة للتأثير وقد تبدأ الحدود في التراجع خطوة بعد أخرى حتى تصبح الصحافة مدينة لمن يدفع أكثر وهنا لا تكون المشكلة في الإعلان أو الرعاية في حد ذاتهما فكل صناعة تحتاج إلى موارد.وإنما المشكلة في غياب القواعد التي تفصل بين المال والتحرير لأن الصحافة التي تفقد استقلال قرارها قد تبقى موجودة في شكلها لكنها تفقد جوهرها….
🔹 الذكاء الاصطناعي يفتح فصلا جديدا في هذه المعركة فهو يستطيع تقليل تكلفة بعض الأعمال الصحفية وتسريع التفريغ والترجمة والتحليل وإعادة إنتاج المحتوى لكنه في الوقت نفسه يغير علاقة الجمهور بالمؤسسة الصحفية.فقد يحصل القارئ على إجابة جاهزة من محرك ذكي دون أن يدخل إلى الموقع الذي أنتج المعلومة ولذلك فإن المؤسسات مطالبة ببناء قيمة لا يستطيع المحتوى الآلي وحده أن يمنحها قيمة تقوم على المصدر الموثوق والتحقيق والسبق المحلي والخبرة والهوية والثقة فالمستقبل قد لا يكون لمن ينتج أكبر عدد من الأخبار بل لمن يملك أكبر قدر من الثقة..
🔹 وربما يكون الطريق أمام الصحافة السودانية هو أن تتوقف عن النظر إلى الصحفي باعتباره موظفا ينتظر راتبه من المؤسسة فقط وأن تبدأ في النظر إلى الصحافة باعتبارها صناعة تحتاج إلى نماذج اقتصادية جديدة الصحفي يمكن أن يبني جمهوره ومنصته ونشرته الصوتية وقناته المتخصصة ومجتمعه المهني والمؤسسة يمكن أن تنوع مصادر دخلها من دون أن تبيع خطها التحريري.لأن الاستقلال الصحفي في النهاية ليس موقفا أخلاقيا فقط بل يحتاج إلى قدرة اقتصادية تحميه والصحافة التي لا تستطيع تمويل أدواتها ستجد نفسها عاجلا أو آجلا مضطرة إلى البحث عمن يمول قرارها….
🔹 لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس هل ستبقى الصحافة فالصحافة ستبقى ما دام الإنسان يحتاج إلى معرفة ما يحدث حوله السؤال هو أي صحافة ستبقى صحافة تعيش على الصدقات والمصالح والولاءات أم صحافة تستطيع أن تبني اقتصادها من جمهورها وثقتها ومهنيتها وفي السودان ربما نحتاج إلى إعادة تعريف الصحافة نفسها.ليس باعتبارها جريدة أو موقعا أو صفحة.وإنما باعتبارها مؤسسة معرفية لها منتج وجمهور وسوق وقيمة لأن الحقيقة لا تحتاج فقط إلى صحفي شجاع يقولها بل تحتاج أيضا إلى اقتصاد يحمي ذلك الصحفي عندما يقولها….
حين قلَّ الأجاويد وكَثُرَ الجنجويد:نظرية في المعنى والمبنى
بقلم الريح عبد القادر متابعات : تي نيوز لطالما استوقفتني كلمة “جنجويد”، ليس بس…






