بقلم : عبدالعزيز عبدالله عبدالمحمود
مقالات : تي نيوز
لم تغب الكنداكة السودانية لأنها اختارت الغياب، وإنما غابت لأن الوطن الذي كان يحتفي بها أصبح يواجه واحدة من أعقد أزماته في تاريخه الحديث.
أين مشاهد الدورات المدرسية التي كانت تجسد الانضباط والجمال وروح الانتماء؟ أين طابور الصباح الذي كانت تقوده معلمة سودانية تحمل رسالة العلم قبل أن تحمل المهنة؟ أين الطالبات بزيهن المدرسي الذي كان رمزًا للمساواة والأمل؟ وأين الحضور الجامعي الأنيق الذي كانت تمثله آلاف الشابات السودانيات في الجامعات والمعاهد؟ لقد كانت هذه المشاهد جزءًا من الهوية الوطنية، أما اليوم فقد أصبحت بالنسبة لكثيرين مجرد ذكريات.
الكنداكة ليست لقبًا تاريخيًا فحسب، وليست رمزًا ارتبط بثورة أو حقبة زمنية معينة، بل هي تجسيد لمكانة المرأة السودانية التي شاركت في بناء المجتمع، وربّت الأجيال، وحملت مسؤوليات الأسرة، وكانت معلمةً وطبيبةً ومهندسةً ومزارعةً وموظفةً وقائدةً مجتمعية. إنها عنوان لعزة المرأة السودانية وكرامتها ودورها في صناعة الوطن.
لكن سنوات الحرب والانقسام والانهيار المؤسسي غيّرت المشهد بصورة مؤلمة. ملايين السودانيين اضطروا إلى النزوح، وآلاف المدارس تعطلت أو أغلقت، وانقطعت العملية التعليمية في مناطق واسعة، وأصبح الوصول إلى التعليم الآمن تحديًا يوميًا لآلاف الأسر. ولم تكن المرأة السودانية بعيدة عن هذه المأساة، بل كانت في كثير من الأحيان أول من دفع ثمنها حيث شاهد الناس الصور المحزنة والمروعة للاطفال الايتام والأم ملقاه في عراء
وقد أعاد الجدل الواسع الذي صاحب امتحانات الشهادة السودانية طرح أسئلة أكبر من مجرد امتحان أو عام دراسي. فالقضية الحقيقية ليست أوراق الامتحانات، وإنما مستقبل جيل كامل يعيش بين النزوح والخوف وعدم الاستقرار. وعندما يصبح التعليم نفسه محل قلق، فإن ذلك يكشف حجم الأزمة التي يعيشها الوطن.
إن غياب الكنداكة اليوم لا يُقاس بغياب صورة أو مظهر، وإنما بغياب البيئة التي كانت تصنعها. فحين تغيب المدرسة الآمنة، وتتراجع الجامعات، وتضعف مؤسسات الدولة، وتزداد معاناة الأسر، فإن المرأة تصبح أول المتأثرين، لأنها تتحمل مسؤولية الأسرة والتعليم والرعاية في أصعب الظروف.
لقد دفعت المرأة السودانية أثمانًا باهظة خلال هذه الحرب. كثيرات فقدن منازلهن، وأعمالهن، ومصادر دخلهن، وانقطعت آلاف الفتيات عن التعليم، بينما تحملت الأمهات مسؤوليات مضاعفة في ظل النزوح والفقر وانهيار الخدمات الأساسية. ولم تعد القضية قضية نساء فقط، بل قضية مجتمع كامل يفقد جزءًا من قوته كلما فقدت المرأة فرصتها في التعليم والعمل والأمان.
كما أن تراجع مؤسسات الدولة، واستمرار النزاع، وتعثر الخدمات العامة، كلها عوامل أثرت بصورة مباشرة في ثقة المواطنين. فالناس لا ينتظرون الشعارات، بل ينتظرون مدارس تفتح أبوابها، ومستشفيات تؤدي دورها، ومؤسسات تحمي الحقوق، ودولة تطبق القانون على الجميع دون تمييز.
إن استعادة الكنداكة لا تبدأ من الاحتفاء بالرمز، بل تبدأ بإعادة بناء الدولة نفسها. تبدأ عندما يصبح التعليم أولوية وطنية، وعندما تتمكن كل فتاة سودانية من الذهاب إلى مدرستها دون خوف، وعندما تستعيد الجامعات رسالتها، وتحظى المرأة بالحماية القانونية والفرص المتكافئة، ويصبح السلام واقعًا يعيشه الناس لا شعارًا يرددونه.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهض بالحروب، وإنما تنهض بالعلم، والعدالة، وسيادة القانون، والحوكمة الرشيدة، واحترام كرامة الإنسان. وهذه ليست شعارات سياسية، بل أسس لأي دولة تريد بناء مستقبل مستقر ومستدام.
إن الكنداكة ليست ماضيًا يُروى، بل مستقبلًا ينبغي استعادته. فهي رمز لكل فتاة تحلم بالتعليم، ولكل أم تبحث عن الأمان، ولكل معلمة تؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران.
ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون جميعًا إجابته:
هل يستطيع السودان أن يعيد للكنداكة مكانتها، عبر استعادة السلام، وإصلاح التعليم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والشفافية وسيادة القانون؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني يسعى إلى بناء سودانٍ يتسع لجميع أبنائه وبناته، ويعيد للوطن صورته التي عرفها العالم؛ وطنًا تُصنع فيه الكنداكات، ولا يُجبرن على الغياب.
رسالة من أهل الفاشر الى رئيس الوزراء د. كامل إدريس
بقلم : قاسم الفكي متابعات : تي نيوز معالي رئيس مجلس وزراء حكومة الأمل بروف كامل ادريس المو…






