بقلم: عبدالعزيز عبدالله عبدالمحمود
مقالات : تي نيوز
لم تعد الأزمة في غياب مبادرات السلام، ولا في نقص الدعوات إلى الحوار والتفاوض، وإنما في غياب التوافق حول الطريق الذي يمكن أن يقود فعلاً إلى إيقاف الحرب والاستقرار.
فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعددت المبادرات والمنابر والوساطات، من جدة إلى القاهرة وأديس أبابا والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وصولاً إلى التحركات الأمريكية الأخيرة ومبادرات دول الجوار. وفي الأسابيع الأخيرة عاد الحديث بقوة عن الهدنة والحوار السوداني الشامل، بالتزامن مع تحركات أفريقية ودولية واممية أكثر نشاطاً.
وفي هذا السياق، طرحت الإدارة الأمريكية مقترحاً لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تليها عملية سياسية شاملة، بينما يواصل الاتحاد الأفريقي و«الخماسية» المكونة من الاتحاد الأفريقي والإيقاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة مشاوراتهم مع القوى السودانية والمجموعات ذات الصلة بهدف بناء عملية سياسية سودانية ذات مصداقية لتاسس لتوافق علي الاقل مبدئي.
وفي الداخل، دعا رئيس الوزراء كامل إدريس إلى حوار وطني سوداني يمهد للمصالحة وإعادة بناء الدستور والوصول في نهاية المطاف إلى انتخابات حرة، في حين أثارت المبادرة التي طرحها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، جدلاً واسعاً بين القوى السياسية والمدنية والمجتمعات المهتمه المتاثرة ، وصل منها إلى حد رفض و البعض الاخر الي التاييد الكامل في ظل استمرار الحرب والمعاناه الانسانية بالغة التعقيد.
وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية:
هل يحتاج السودان الآن إلى الحوار أم إلى التفاوض؟ أم أن محاولة الفصل بينهما هي في حد ذاتها جزء من المشكلة؟
الحوار أم التفاوض؟ سؤال يبدو بسيطاً لكنه معقد وشائك لحد كبير .
التفاوض يتعلق بصورة أساسية بالأطراف التي تملك القدرة على إيقاف القتال واتخاذ القرارات العسكرية والأمنية؛ ولذلك فإن وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وترتيبات القوات، ووقف استهداف البنية التحتية، كلها تحتاج إلى تفاوض مباشر بين أصحاب القرار العسكري، مع وجود ضمانات وآليات مراقبة.
أما الحوار الوطني الشامل فهو أوسع من ذلك بكثير. فهو يتعلق بالسؤال الأكبر: أي سودان نريد بعد الحرب؟ وكيف تُبنى الدولة؟ وكيف تُدار العلاقة بين المركز والأقاليم؟ وما شكل الحكم؟ وكيف تتم العدالة والمصالحة؟ وكيف يعاد بناء المؤسسات؟ وكيف تُجرى الانتخابات؟
ولهذا فإن الخطأ هو أن نضع الحوار والتفاوض في مواجهة بعضهما البعض اكيد ان السودان يحتاج إلى الاثنين، ولكن ليس بالضرورة في اللحظة نفسها ولا بالطريقة نفسها.
الأولوية العاجلة يجب أن تكون للتفاوض على وقف الحرب والهدنة وحماية المدنيين، بينما يجب أن يسير الحوار السياسي والمجتمعي بالتوازي ولكن وفق مسار منظم، بحيث لا يتحول الحوار إلى بديل عن وقف الحرب، ولا يتحول التفاوض العسكري إلى اتفاق سياسي مغلق بين طرفين فقط. وفي مئالات الراهن المجتمعي والسياسية من يحاور من؟ هنا تكمن واحدة من أعقد مشكلات الأزمة السودانية.
عندما نقول «الحوار السوداني الشامل»، فمن المقصود بالسودانيين؟
هل تتحاور الأحزاب المنابر السياسية مع بعضها لتوفير جو يساعد في تنفيذ حكم راشد ؟
هل تتحاور القبائل والإدارات الأهلية للتعايش السلمي ونزع خطاب الكراهية؟
هل تتحاور القوى المدنية مع القوى العسكرية من اجل السلام والتنمية؟
هل تتفاوض المؤسسات العسكرية مع بعضها للوصول الي جيش وطني موحد ؟
هل تتفاوض الأقاليم والولايات حول مستقبل السودان والتمثيل العادل؟
هل يكون الحوار بين القوى التي أيدت الحرب والقوى التي رفضتها لتجنب النزاع مستقبلا؟
وهل يكون لكل هذه الأطراف مقعد واحد في طاولة واحدة؟
الإجابة الواقعية هي: لا يمكن أن تكون هناك طاولة واحدة لكل هذه القضايا والأطراف في الوقت نفسه.
وهذا تحديداً ما يجعل العملية السياسية السودانية شديدة التعقيد.
فالأحزاب لها قضاياها، والقوى المدنية لها أجندتها، والمكونات الاجتماعية لها مخاوفها والانظمة العسكرية لها نظرياتها ، والأقاليم لها مطالبها، والقوات المسلحة لها حساباتها الأمنية، والقوى المسلحة الأخرى لها مصالحها، بينما للمجتمع الدولي والإقليمي مصالحه ومخاوفه المؤثرة جدا علي كل هذه الافتراضات .
ولذلك فإن الحديث عن «حوار شامل» دون تحديد من يحاور من، وعلى ماذا، وفي أي مرحلة، وبأي ضمانات قد يتحول إلى شعار جميل لكنه غير قادر على وتغيير الواقع الحالي.
الوحدة الوطنية أولاً… ولكن أي وحدة؟ السودان اليوم أمام اختبار تاريخي.
إذا كانت وحدة السودان ومصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والعسكرية والقبلية والإقليمية، فإن هذا المبدأ يجب أن يكون نقطة الالتقاء الأولى.
لكن الوحدة لا تعني إسكات الاختلاف. ولا تعني إقصاء القوى الثورية ولا تعني تجاهل المظالم التاريخية للأقاليم.
ولا تعني إعفاء المتورطين في الانتهاكات من المساءلة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول المطالب الإقليمية أو السياسية إلى مشاريع تهدد وحدة البلاد أو تؤسس لسلطات موازية.
وهنا تبرز أهمية الموقف الذي عبرت عنه «الخماسية» الدولية والإقليمية، والتي أكدت احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ورفض هياكل الحكم الموازية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة عملية سياسية سودانية شاملة.
هذه نقطة يمكن أن تشكل أرضية مشتركة للسودانيين والمجتمع الدولي معاً.
التفاوض أيضاً ليس طريقاً سهلاً .
قد يبدو التفاوض أكثر وضوحاً من الحوار، لأن أطرافه محددة نسبياً، لكنه يواجه تحديات هائلة.
وكيف يمكن ضمان تنفيذ وقف إطلاق النار؟ ومن يراقب الهدنة؟
وكيف يتم التعامل مع الخروقات؟
وماذا يحدث للقوات الموجودة داخل المدن؟
وكيف يتم فتح الطرق ومسارات امنة للاغاثة ؟ وكيف يتم ضمان وصول المساعدات الإنسانية؟
وماذا عن القوات والتشكيلات المسلحة الأخرى التي قد لا تكون طرفاً مباشراً في التفاوض بين الجيش والدعم السريع؟
ثم تأتي القضية الأكثر حساسية:
ماذا بعد وقف إطلاق النار؟
فوقف الحرب لا يعني تلقائياً انتهاء الأزمة السياسية.
وإذا لم تكن هناك ترتيبات واضحة للمرحلة الانتقالية، فقد يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من القتال.
من أكبر الأخطاء الاستراتيجية أن يعتقد أي طرف أن الحل السياسي يجب أن يأتي بعد تحقيق نصر عسكري كامل.
ومع استمرار الحرب، تتغير خرائط النفوذ، وتتعدد مراكز القوة، وتتوسع الكلفة الإنسانية والاقتصادية، وتزداد احتمالات تفكك الدولة والمجتمع.
السلام ليس مكافأة لأحد.
والتفاوض ليس استسلاماً.
والهدنة ليست اعترافاً بشرعية الحرب. بل هي أدوات لإنقاذ الدولة والمجتمع من الانهيار.
المجتمع السوداني هو الطرف الغائب الأكبر في كثير من النقاشات، ينحصر الحديث في الجيش والدعم السريع والأحزاب والقوى السياسية. لكن السودان أكبر من كل هذه الأطراف.
هناك ملايين النازحين واللاجئين.
هناك النساء والشباب. هناك الإدارات الأهلية والقيادات المحلية. هناك المهنيون والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.
هناك الطرق الصوفية والقيادات الدينية. هناك أصحاب الأعمال والمزارعون والعمال. وهناك أجيال كاملة تخشى أن ترث حرباً لم تختَرها. ولهذا فإن أي عملية سلام لا تمنح المجتمع السوداني والشعب والجماهير مساحة حقيقية ستكون ناقصة مهما كان حجم الدعم الدولي الذي تحظى به. لكن المشاركة الشعبية يجب أن تكون هادفة منظمة ومؤثرة، وليست مجرد إضافة أسماء إلى قوائم المشاركين. ماذا نفعل بالمبادرات الموجودة؟
السودان لا يحتاج إلى مبادرة سلام جديدة كل بضعة أشهر.
بل يحتاج إلى تجميع المبادرات الموجودة داخل مسار واحد.
فالورقة الأمريكية الخاصة بالهدنة الإنسانية، والتحرك الأفريقي، ومشاورات «الخماسية»، ومبادرات دول الجوار، وغيرها، يمكن أن تتحول من مبادرات متنافسة إلى عناصر داخل عملية واحدة. وهذا يتطلب أن تتفق الأطراف الدولية والإقليمية على: من يقود المسار؟
من يضمنه؟ من يراقبه؟ ما هي مراحله؟ وما هي الالتزامات التي تقع على كل طرف؟
بدلاً من أن يصبح السودان ساحة لمنافسة الوسطاء، ينبغي أن يصبح موضوعاً لتنسيق الوسطاء.
الحل العاجل: مساران متوازيان
قد يكون المخرج العملي من هذه المعضلة هو اعتماد مسارين متوازيين: المسار الأول: التفاوض العاجل لإنقاذ الأرواح يبدأ بهدنة إنسانية قابلة للتحقق والرقابة، ثم وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وتأمين الطرق والمنشآت الحيوية.
وهذا المسار يجب أن يكون سريعاً، محدداً، ومصحوباً بضمانات دولية وإقليمية.
المسار الثاني: الحوار السياسي السوداني وفي الوقت نفسه، يبدأ حوار سياسي ومجتمعي منظم، لا بهدف التوصل فوراً إلى تقاسم السلطة، وإنما لبناء التوافق على شكل الدولة ومستقبلها.
وهنا يجب أن يكون السؤال:
ليس «من سيحكم السودان؟»
بل أولاً: «كيف نعيد بناء الدولة السودانية التي يستطيع الجميع العيش داخلها؟»
بعد ذلك يأتي الحديث عن السلطة والانتخابات والدستور.
المصلحة الوطنية يجب أن تكون معيار قبول أو رفض المبادرات
ربما يحتاج السودان اليوم إلى معيار جديد للحكم على أي مبادرة سلام. ليس مهماً فقط من طرح المبادرة. ولا من يدعمها.
ولا أين تعقد اجتماعاتها.
السؤال الحقيقي هو: هل تساعد المبادرة على وقف القتال وتاسس للاستقرار ؟
هل تحمي المدنيين؟
هل تحافظ على وحدة السودان؟
هل تمنع قيام سلطات موازية؟
هل تفتح الطريق أمام عملية سياسية مدنية وشرعية؟
هل تعالج جذور النزاع؟
هل تضع آليات للمساءلة والمصالحة؟ وهل يمكن تنفيذها ومراقبتها؟ إذا كانت الإجابة نعم، فينبغي دعمها، بغض النظر عن الجهة التي طرحتها.
التطورات الأخيرة تشير إلى أن هناك حراكاً دولياً وإقليمياً أكثر وضوحاً نحو إنهاء الحرب، وليس مجرد إدارة الأزمة. فالولايات المتحدة تضغط باتجاه التفاوض، والاتحاد الأفريقي يتحرك مجدداً، والخماسية تواصل مشاوراتها، بينما تطرح أطراف سودانية مختلفة رؤى متباينة حول الحوار وشكل العملية السياسية.
لكن في المقابل، استمرار الخلاف حول من يشارك، وأين يبدأ الحوار، وهل يسبق وقف إطلاق النار أم يأتي بعده، يكشف أن مشكلة السلام ليست فقط في غياب الإرادة، وإنما أيضاً في غياب الاتفاق على قواعد اللعبة نفسها. وهنا يجب أن تكون الأولوية السودانية واضحة:
لا نحتاج إلى أن ننتصر في النقاش حول أي مبادرة أفضل؛
الخلاصة: لا حوار بلا سلام، ولا سلام بلا تفاوض، ولا دولة بلا توافق قد لا يكون السؤال الصحيح: هل نختار الحوار أم التفاوض؟ بل السؤال الأصح هو:
كيف نجعل التفاوض يوقف الحرب، وكيف نجعل الحوار يمنع عودتها؟ التفاوض مطلوب بين من يملكون القدرة على وقف القتال. والحوار مطلوب بين السودانيين حول مستقبل الدولة.
والوساطة الدولية مطلوبة لتوفير الضمانات والضغط والحوافز.
والمجتمع السوداني مطلوب بشكل اكبر لضمان الشرعية والاستدامة. والعدالة مطلوبة حتى لا يتحول السلام إلى غطاء للإفلات من العقاب.
والوحدة الوطنية مطلوبة حتى لا يتحول النزاع إلى تفكك دائم.
إن السودان لا يحتمل انتظار توافق كامل قبل بدء التحرك، لأن هذا التوافق لن يأتي في ظل الحرب. كما أنه لا يحتمل اتفاقاً سريعاً يتجاهل جذور الأزمة.
لذلك ربما يكون الطريق الأكثر واقعية هو سلام تدريجي يبدأ بوقف إطلاق النار، ثم يفتح الطريق أمام حوار سياسي سوداني واسع، ثم ترتيبات أمنية وانتقال سياسي، وصولاً إلى دستور وانتخابات وإعادة بناء الدولة. إن المصلحة العليا للسودان تقتضي أن تتراجع الحسابات الحزبية والعسكرية والقبلية والإقليمية أمام سؤال أكبر: كيف نحافظ على السودان أولاً؟ فإذا كانت وحدة السودان وسلامة أراضيه ووقف الحرب وحماية مواطنيه هي المصلحة العليا، فإن أي مبادرة تساعد على تحقيق هذه الأهداف تستحق أن تُدرس بجدية، وأي مبادرة تعطلها ينبغي إعادة النظر فيها.
لقد أُهدرت فرص كثيرة للسلام بسبب الشروط المسبقة، وتضارب المبادرات، وحسابات النفوذ، لكن حقيقة الفرصة لم تنتهِ بعد. والتحدي الحقيقي أمام السودانيين والمجتمع الدولي ليس إنتاج مبادرة جديدة، وإنما تحويل المبادرات الموجودة إلى مسار واحد، وتحويل الدعوات إلى التزامات، وتحويل الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتحويل الحوار من منصة لتبادل الاتهامات إلى مشروع لإعادة بناء الدولة السودانية. وسلام يحمي الجميع، ومستقبل لا يكون فيه المواطن السوداني هو الخاسر الدائم.
رسائل مهمة الى والي شمال دارفور الحافظ بخيت
بقلم : قاسم الفكي متابعات : تي نيوز السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته،٠٠اما بعد:في هذا…






