مأزق الأغنية السودانية المعاصرة .. بين ظلال العمالقة وتردي القونات وهبوط الذائقة

بقلم : إيهاب الأمين

مقالات : تي نيوز

لطالما كان الغناء السوداني علامة فارقة في سماء الطرب العربي والأفريقي، يمزج بين عمق الكلمة وعذوبة اللحن وأصالة الإيقاع، لكن من يتأمل المشهد الغنائي السوداني في السنوات الأخيرة لا يسعه إلا أن ينتابه أسى عميق فقد شهدت الساحة تدهوراً مريعاً ومقلقاً تحولت فيه الأغنية من رسالة ووجدان إلى مجرد ضجيج عابر يستهلك ولا يُنتج.

أمام هذا التدهور قد يظن المتابع أن الساحة خاوية تماماً لكن المفارقة تكمن في ظهور أصوات جديدة تمتلك خامة جيدة وإمكانيات أدائية لا بأس بها، غير أن كارثة هذه الأصوات تكمن في تقوقعها، فقد اكتفت بأن تكون مجرد أصداء للماضي، تكتفي بترديد أغاني العمالقة القدامى وتستهلك تراثنا من أغنيات الحقيبة وروائع وردي والكاشف ومصطفى سيد أحمد والبلابل وغيرهم من العمالقة. لقد أصبحنا نعيش في متحف غنائي تُستعرض فيه روائع الأمس بينما يُغلق الباب في وجه الحاضر والمستقبل، غياب الأعمال الجديدة الرصينة لهؤلاء الموهوبين يعكس خوفاً من التجريب أو عجزاً عن إيجاد هوية خاصة بهم بعيداً عن عباءة الكبار.

أما فيما يخص الأعمال القليلة التي تُنتج كـأغانٍ جديدة، فهي تمثل الكارثة الحقيقية، فقد أصبحت الساحة مسرحاً واسعاً لمطربات ينتمين إلى التيار الهابط (القونات). أغنيات تُنتج بلا أدنى معايير فنية بكلمات ركيكة تفتقر إلى البديهة والجمال وألحان هابطة لا تتعدى كونها إيقاعات راقصة رخيصة، تُصنع في دقائق ولا يُبذل فيها أي مجهود إبداعي أو ذهني. لقد تم استبدال الطرب بـالضجيج، واستبدال الوجدان بـالحركة الاستعراضية الفارغة.

ما يضاعف من حجم المأساة ويثير الدهشة هو أن السودان يعد من أغنى الدول العربية بالشعراء والمبدعين في مجال الكلمة، لدينا كنوز من القصائد الجميلة ووفرة من المبدعين الذين يكتبون بلغة راقية وعميقة، لكن كيف لشعب يفيض شعراً أن يفتقر غناءً؟ إن الفجوة بين دواوين الشعر واستوديوهات الغناء أصبحت شاسعة، وكأن هناك قطيعة مقصودة بين جمال الكلمة وقبح اللحن، لذلك فإن الملحنين على قلتهم يهربون من القصائد الجيدة لأن محاولاتهم فيها قد يحول قصائد تُكتب بماء الذهب إلى مجرد هراء يُغنى على إيقاعات مبتذلة.

ولا يمكن إلقاء اللوم على المطربين وحدهم فالعلة تمتد إلى حلقة الوصل المفقودة (الملحن) إذ تعاني الساحة من ندرة شديدة في الملحنين الموهوبين وحتى الموجودين على قلتهم يعانون من ضعف ثقافي واضح، وسوء في الاختيار، فالمُلحن اليوم يفتقر إلى حساسية اختيار النص فلا يميز بين الشعر الرصين والكلام السخيف، ولا يمتلك الذائقة التي تجعله يبحث عن كنوز الشعراء، أضف إلى ذلك أن إمكاناتهم الموسيقية محدودة ومقدراتهم الإبداعية ضيقة مما يجعلهم يبحثون عن الكلمات البسيطة السهلة التي لا تحمل جديداً وبعد ذلك يدورون في فلك ألحان نمطية مكررة أو يستسلمون للإيقاعات الإلكترونية الجاهزة التي تقتل روح الأغنية السودانية الأصيلة.

إن التدهور الذي تعيشه الأغنية السودانية اليوم ليس مجرد أزمة فنية بل هو أزمة ذائقة وثقافة وإدارة للمشهد، فالشعر موجود والأصوات متوفرة لكن صناع الأغنية من ملحنين ومنتجين يفتقرون إلى الحس الوطني والثقافي الذي يرفع من شأن الفن.
إذا لم تكن هناك وقفة جادة لإعادة الاعتبار للكلمة وللملحن الواعي وللذائقة العامة فإن الأغنية السودانية ستظل رهينة بين ماضٍ نستهلكه بحنين وحاضرٍ هابطٍ نستمع إليه بحسرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أسرة الراحلة صفاء ( والدة الاطفال الخمسة) توضح ملابسات وفاتها بمصر

متابعات : تي نيوز أكدت أسرة الأطفال الخمسة الذين توفيت والدتهم في الطريق إلى مصر أنهم أصبح…