السودان شعب الطيبة أم ضحية أكذوبة كبرى؟

بقلم : حامد أملس

مقالات : تي نيوز

 من أكثر الأكاذيب التي كررناها حتى صدقناها أننا شعب لا يشبهه شعب في الطيبة والكرم والشهامة. ظللنا نردد هذه العبارة لعقود طويلة بينما كان الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فلو كانت الطيبة وحدها تكفي لبناء الأوطان لما وصل السودان إلى هذا الدرك من الانهيار، ولو كانت الشهامة كما نزعم حاضرة في سلوكنا اليومي لما تحولت معاناة الناس إلى تجارة رابحة وموسم مفتوح للابتزاز.

في السودان اليوم لا تحتاج إلى البحث كثيراً عن الجشع، فهو يجلس في الأسواق، ويقف خلف نوافذ الخدمات، ويتسلل إلى بعض المكاتب، ويختبئ خلف شعارات الوطنية والدين والأخلاق. الجشع أصبح جزءاً من المشهد اليومي في جميع القطاعات حتى تتحول إلى سلوك طبيعي لا يثير الدهشة.
ما الذي يمكن أن نسمي به تاجراً يضاعف الأسعار كلما اشتدت الأزمة؟ وما الذي يمكن أن نسمي به مسؤولاً يرى طوابير المعاناة ثم يواصل حديثه عن الإنجازات؟ وما الذي يمكن أن نسمي به مجتمعاً يشاهد أبناءه يغادرون الوطن جماعات ولا يتوقف ليسأل نفسه: لماذا أصبح الهروب حلماً والبقاء عقوبة؟

لقد تحولت الحرب إلى سوق للبعض، وتحولت معاناة النازحين إلى مورد رزق للبعض، وتحولت حاجة المواطن إلى فرصة استثمارية للبعض. بينما ظل المواطن البسيط يدفع الثمن وحده؛ يدفعه في الخبز والدواء والتعليم والمواصلات والإيجارات والمواد الغذائية وكل تفاصيل الحياة.
أي وطن هذا الذي يعجز فيه الأب عن شراء احتياجات أطفاله الأساسية؟ وأي دولة هذه التي يقف فيها الخريج سنوات طويلة بحثاً عن فرصة بينما تُغلق الأبواب في وجهه وتُفتح أمام المحسوبية والولاءات؟ وأي مستقبل ننتظره ونحن نشاهد العقول والكفاءات تهرب من البلاد لأنها لم تجد فيها ما يستحق البقاء؟

المشكلة ليست في الحرب وحدها، فالحروب تصنع الأزمات لكنها لا تصنع الجشع. المشكلة أن كثيرين وجدوا في الفوضى فرصة ذهبية لإطلاق أسوأ ما في نفوسهم. فكل أزمة تمر على السودان تكشف أن عدداً كبيراً منا يتحدث عن القيم أكثر مما يمارسها، ويرفع الشعارات أكثر مما يلتزم بها.
نتحدث عن التكافل بينما ينهش الاحتكار جيوب الناس.
نتحدث عن الوطنية بينما يهرب المال إلى الجيوب الخاصة.
نتحدث عن الأخلاق بينما تُباع الخدمات الأساسية وكأنها امتيازات لا حقوق.
نتحدث عن المستقبل بينما نطرد الشباب منه كل يوم.
لقد أصبح السودان بلداً يدفع فيه المواطن ثمن الفشل مرات ومرات. يدفع ثمن الحرب، وثمن الفساد، وثمن سوء الإدارة، وثمن صمت المجتمع، وثمن جشع الذين لا يرون في الوطن سوى فرصة للكسب.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الأوطان لا تنهار فقط بسبب البنادق، بل تنهار أيضاً عندما يغيب الضمير. فالرصاصة قد تقتل إنساناً، أما الجشع فيقتل مجتمعاً بأكمله. وعندما يصبح المال أهم من الإنسان، والمنفعة الشخصية أهم من المصلحة العامة، فإن الانهيار يصبح مجرد مسألة وقت.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس المزيد من الخطب الرنانة ولا البيانات المزخرفة ولا الشعارات المستهلكة. ما يحتاجه هو استعادة قيمة الإنسان. يحتاج إلى دولة تحمي المواطن لا تستنزفه، وإلى مؤسسات تخدم الناس لا تتعيش على أزماتهم، وإلى سوق تحكمه الأخلاق قبل الأرباح، وإلى تعليم يصنع الضمير قبل الشهادة، وإلى عدالة تجعل الجميع متساوين أمام الحقوق والواجبات.
كما يحتاج إلى مواجهة صريحة مع أنفسنا. نعم، مع أنفسنا قبل أي طرف آخر. فليس من الشجاعة أن نحمّل السياسيين وحدهم كل الأخطاء بينما نبرئ سلوكياتنا اليومية من المسؤولية. وليس من الأمانة أن نتحدث عن الفساد وكأنه يسكن القصور فقط بينما نتسامح معه عندما يمر من أمامنا في الأسواق والمكاتب والمعاملات.
السودان لن يبنيه الذين يرفعون الشعارات، بل الذين يرفضون استغلال الناس. ولن ينقذه الذين يتاجرون بمعاناته، بل الذين يؤمنون أن كرامة المواطن هي أساس بقاء الدولة نفسها.

ويبقى السؤال المؤلم:
إذا كنا بالفعل ذلك الشعب الذي نصفه دائماً بالطيب والكريم والشهِم، فلماذا أصبح المواطن السوداني مطارداً بالفقر والخوف والخذلان في وطن يملك من الخيرات ما يكفيه ويزيد؟
أم أن الوقت قد حان لنعترف بأن أكبر معاركنا ليست مع الحرب وحدها، ولا مع السياسة وحدها، بل مع الجشع الذي أكل الأخضر واليابس، ومع ثقافة الأنانية التي حولت الوطن من بيت للجميع إلى غنيمة يتصارع عليها الجميع؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق الإجابة… قبل أن نفقد ما تبقى من وطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

البرهان يزور اسمرا ويؤكد متانة العلاقات بين السودان واريتريا

أسمرا : تي نيوز زار اليوم العاصمة الاريترية اسمرا رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ا…