حين تصبح الإنسانية رهينة السياسة… من يدفع الثمن؟

بقلم : عبدالعزيز عبدالله عبدالمحمود

متابعات : تي نيوز

في بلدنا الان ، لم تعد الأزمة الإنسانية مجرد أرقام تُنشر في التقارير الدولية، ولا مجرد عناوين تتصدر نشرات الأخبار. إنها حياة يومية يعيشها ملايين المواطنين الذين ينتظرون الماء والغذاء والدواء والمأوى، بينما تتعثر الاستجابة بين حسابات السياسة، وتعقيدات الإدارة، وتكرار الأخطاء التي كان يفترض أن تكون قد أصبحت من الماضي.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية، في السودان وفي غيره من مناطق النزاع، أن العمل الإنساني يفقد جوهره عندما يتحول إلى ساحة للمنافسة السياسية أو وسيلة لتحقيق المكاسب الإعلامية. فالإنسانية ليست امتدادًا للصراع السياسي، وليست أداة لإثبات النفوذ أو تسجيل الانتصارات. إنها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون التزامًا قانونيًا أو إنسانيًا.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا نكرر الأخطاء ذاتها في كل أزمة؟ ولماذا يظل المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في كل معادلة؟
الواقع يشير إلى أن ملايين السودانيين يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة. فقد أدت الحرب المستمرة إلى نزوح ولجوء أعداد غير مسبوقة، وتدهورت الخدمات الأساسية، وارتفعت معدلات انعدام الأمن الغذائي، وأصبحت المجتمعات المضيفة نفسها تعاني من استنزاف مواردها المحدودة. وفي كل يوم يتأخر فيه وصول المساعدات أو تُربط فيه الاحتياجات الإنسانية بالحسابات السياسية، يزداد الألم وتتسع دائرة المعاناة.
القرارات الإنسانية يجب أن تُبنى على احتياجات الناس، لا على مواقفهم السياسية، ولا على مناطقهم، ولا على انتماءاتهم. فالطفل الجائع لا يعرف لغة السياسة، والمريض الذي ينتظر الدواء لا يعنيه من يحكم أو من يعارض، والأسرة التي فقدت منزلها لا تبحث عن خطاب سياسي، بل تبحث عن سقف يحميها من المطر والشمس.
ومع ذلك، ما زلنا نشهد في كثير من الأحيان سباقًا نحو الكاميرات أكثر من سباقٍ نحو المحتاجين. هناك من يجعل من توزيع المساعدات مناسبة إعلامية، ومن معاناة الناس منصةً لبناء الصورة الشخصية أو تعزيز الحضور السياسي. وربما يحقق ذلك مكاسب مؤقتة في صفحات الصحف أو على شاشات التلفزيون أو منصات التواصل الاجتماعي، لكنه لا يصنع قيمة حقيقية في ميزان الإنسانية.
فالصحافة تعرف وجوهنا، لكنها لا تستطيع أن تعكس وجه الندم. والصور تحفظ اللحظة، لكنها لا تحفظ النوايا. أما التاريخ، فقد يكتب أسماء كثيرة، لكنه لا يمنح الجميع المكانة نفسها. فهناك فرق كبير بين من استثمر في آلام الناس، ومن خفف عنهم ألمًا دون انتظار شكر أو شهرة.
إن الإنسانية الحقيقية تُقاس بما يقدمه الإنسان عندما لا يراه أحد، وبالقرار الشجاع الذي يضع كرامة المواطن فوق أي اعتبار آخر. وهي تُقاس أيضًا بالقدرة على تجاوز الخلافات عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الأرواح.
وفي السودان اليوم، أصبح من الضروري إعادة الاعتبار للمبادئ الإنسانية الأساسية: الحياد، والاستقلال، وعدم التحيز، والإنسانية. فلا ينبغي أن تكون المساعدات وسيلة للضغط السياسي، ولا أن يُحرم منها محتاج بسبب موقعه الجغرافي أو انتمائه أو ظروف النزاع.
وسط هذا المشهد القاسي، يبقى المواطن السوداني هو صاحب أعظم درجات الصبر. سنوات طويلة من الأزمات جعلته ينتظر أبسط حقوقه: ماءً نظيفًا، ورغيفًا، ودواءً، ومدرسةً لأطفاله، ومستشفىً يداوي مرضاه. ومع ذلك، ما زال يتمسك بالأمل، وما زال يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا خلصت النوايا، وصدقت الإرادة.
ويبقى التوكل على الله هو السند الذي يمنح الناس القدرة على مواصلة الحياة رغم قسوتها. فهو ليس دعوة للاستسلام، بل مصدر للقوة والثبات والعمل، حين تضيق السبل وتتعقد الظروف.
إن من يملأ فراغه بالأضواء والاحتفالات والصور قد يبدو كبيرًا في الإعلام والسياسة، لكنه ليس بالضرورة كبيرًا في ضمير الإنسانية. أما ذلك الإنسان الذي يقتسم آخر لقمة مع جاره، أو يوفر مأوى لمشرد، أو يمسح دمعة يتيم، أو يسعى بصمت إلى تخفيف معاناة الآخرين، فهو الذي يصنع المعنى الحقيقي للإنسانية، حتى وإن لم تتصدر صورته الصفحات الأولى.
وفي نهاية المطاف، فإن الموت ليس الباب الأخير، بل هو السؤال الأخير. وإجابته لن تُكتب في السيرة الذاتية، ولن تنشرها الصحف، ولن تصنعها حملات العلاقات العامة. إنها تُكتب في ميزان الحسنات والسيئات، حيث لا قيمة لمنصب، ولا وزن لصورة، ولا أثر لشعار، إلا بما قدمه الإنسان من خير ورحمة وعدل.
لقد خلق الله الإنسان لعبادته وعمارة الأرض، وجعل الإحسان إلى الناس من أعظم القربات. ولذلك ستبقى الإنسانية، مهما اشتدت الأزمات، أسمى من السياسة، وأبقى من الشهرة، وأثقل في الميزان من كل ما يكتبه الإعلام أو يمحوه الزمن.
ولعل مجتمعاتنا اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بقدر ما يحتاج إلى قرارات شجاعة، وإدارة مسؤولة، وإرادة صادقة تجعل الإنسان أولًا، وتحفظ كرامته، وتعيد للعمل الإنساني معناه الحقيقي: خدمة الإنسان لأنه إنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الطعن في الخاصرة … عندما يخون الأبناء ويسقطون في إمتحان الوفاء

بقلم : إعتماد أحمد حسب الكريم مقالات : تي نيوز في الحرب الناس بتتوقع الرصاص يجيها من العدو…