التنمر في اللهجات السودانية.. حين تتحول الكلمات إلى جراح

بقلم : د. جهاد البدوي

مقالات : تي نيوز

يتميز السودان بتنوع ثقافي ولغوي فريد انعكس بصورة واضحة في تعدد لهجاته المحلية التي تحمل في طياتها تاريخ المجتمعات وعاداتها وتقاليدها فلكل منطقة مفرداتها وطريقة نطقها الخاصة مما جعل اللهجات السودانية لوحة زاهية تعبر عن ثراء البلاد وتنوعها إلا أن هذا التنوع الجميل أصبح في بعض الأحيان سبباً لممارسة نوع من التنمر اللفظي والسخرية بين أبناء الوطن الواحد.

فكثيراً ما يتعرض بعض الأشخاص للسخرية بسبب لهجتهم أو طريقة نطقهم لبعض الكلمات خاصة عند انتقالهم للدراسة أو العمل في مناطق تختلف لهجتها عن منطقتهم الأصلية وقد تمتد هذه السخرية إلى إطلاق الألقاب أو تقليد طريقة الحديث بصورة درامية الأمر الذي يترك آثاراً نفسية مؤلمة على الضحية أو المقربين منه ويدفع البعض إلى الشعور بالخجل من هويتهم الثقافية وتشير العديد من الدراسات والمقالات التي تناولت قضايا اللهجات والتنمر إلى أن السخرية من اللهجات تعد شكلاً من أشكال الإقصاء والتمييز الاجتماعي لأنها تربط بين طريقة الحديث وبين مستوى الشخص أو مكانته الاجتماعية وهو أمر غير صحيح على الإطلاق.

إن اللهجة ليست عيباً ولا نقصاً بل هي جزء من هوية الإنسان وانتمائه فلهجات دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط والجنوب الحبيب الذي مازال اخوانا في البلد يقايموننا العيش والهوية والعادات وغيرها من مناطق السودان تمثل إرثاً ثقافياً يستحق الاحترام والتقدير وما نراه أحياناً من سخرية متبادلة لا يهدد الأفراد فقط بل يضعف روح التعايش ويعمق الفجوات الاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي حيث تنتشر المقاطع الساخرة والتعليقات الجارحة بسرعة كبيرة، لتتحول اللهجة من وسيلة للتواصل إلى أداة للتنمر والإساءة وقد شهد المجتمع السوداني نماذج عديدة من السخرية التي استهدفت أشخاصاً بسبب لهجاتهم أو طريقة تعبيرهم مما يؤكد الحاجة إلى نشر ثقافة احترام التنوع اللغوي.
إن معالجة هذه الظاهرة تبدأ من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام عبر غرس قيم الاحترام والتسامح وقبول الآخر كما يجب أن يدرك الجميع أن اختلاف اللهجات لا يعني اختلاف القيمة الإنسانية وأن السودان ظل عبر تاريخه وطناً جمع عشرات الثقافات واللغات تحت راية واحدة.

واخيرا فإن اللهجات السودانية ليست سبباً للتفرقة أو السخرية بل جسور للتعارف والتواصل وكلما احترمنا تنوعنا اللغوي والثقافي اقتربنا أكثر من بناء مجتمع متماسك يؤمن بأن الاختلاف مصدر قوة لا سبب للانتقاص أو التنمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

صحة الولايات وتعليمها وإعلامها..بقلم : د. عبدالسلام محمد خير

متابعات : تي نيوز الآن هناك تأويلات للأحداث وقراءة الأخبار تبدو مقلقة لكنها هشة، فالسلام غ…