الدولة المتوازنة… أعظم مشروع هندسي ينتظر السودان

بقلم : عبدالعزيز عبدالله عبدالمحمود

مقالات : تي نيوز

كما لا يقف الجسر إلا بتوازن حتي يكون معبرا جيدا والابراج العالية لا تستقر الا بالتوازن المحكم فإن هذه نظرية يفهمها اهل الهندسة والمعمار جيدا فإن القوى،الفاعلة لا تستقيم لبناء الدول إلا بتوازن في مؤسساتها ) و السلام هو لغة القلوب النبيلة، حيث تصبح الثقة الجسر الذي يربط بين الأمم والإنسانية .
نجد أن اهل الهندسة يقولوا ، لا يقاس نجاح المنشآت بارتفاعها، وإنما بقدرتها على البقاء واقفة تحت الضغط. فالجسر لا يختبر في يوم الهدوء، بل في يوم الرياح والعواصف، والبرج لا يثبت لأنه لا يتعرض للقوى جزب هنا وهناك ، وإنما لأنه صمم ليوازنها. لهذا كانت معادلات الاتزان من أعظم القوانين التي عرفها الإنسان؛ فهي تقول ببساطة إن الاستقرار لا يولد من غياب القوى، بل من حسن إدارتها.
والأوطان والانظمة الحاكمة ليست بعيدة عن هذا القانون.
فالسودان، منذ استقلاله، لم يكن وطنًا فقيرًا في موارده، ولا محدودًا في إمكاناته، بل كان وطنًا غنيًا بتنوعه الجغرافي والثقافي والعرقي والديني والاقتصادي. غير أن التنوع، كما في الهندسة، قد يكون مصدر قوة ايطا في الحكم الرشيد كذلك خاصة إذا وُضع داخل تصميم متوازن، وقد يصبح مصدر انهيار إذا تُركت القوى تتصادم بلا نظام يحكمها.

كل مجتمع او نظام يحمل داخله قوى مختلفة؛ قبائل، وأقاليم، وثقافات، وأحزاب، وشباب، ونساء، ومزارعون، ورعاة، ورواد أعمال، وعلماء، وجيش، ومؤسسات مدنية. والخطأ ليس في وجود هذه القوى، فالمنشأ الذي لا توجد فيه قوى هو منشأ ميت وهنا تتجلا بريق التنوع، بل الخطأ أن تتحول القوى إلى صراع بدل أن تصبح عناصر اتزان لذلك القيادة الرشيدة والإدارة الحكيمة بمثابة المهندس الذى يرسم المعالم وحقيقة السودان الان نفتقد المهندس البارع حتي يخطط للبناء المتوازن خاصة في فترة التعافي المبكر ، عندما تترك قوة تعمل وحدها يبدأ الهيكل في الميل. وإذا غاب العنصر المقاوم يبدأ الالتواء، ثم تظهر الشقوق، ثم يأتي الانهيار. مرة اخرى وما يحدث في المنشآت يحدث أيضًا في الدول. فعندما يحتكر طرف القرار، أو تُهمَّش فئة، أو تضعف المؤسسات، أو تغيب العدالة، تبدأ الدولة في فقدان توازنها، حتى وإن بدت متماسكة من الخارج.

إن الدول لا تنهار فجأة، بل تنهار بالطريقة نفسها التي تتشقق بها الخرسانة؛ شروخ صغيرة لا ينتبه إليها أحد، ثم تتسع مع الزمن حتى يصبح الإصلاح أكثر كلفة من البناء نفسه.
ولذلك فإن السودان لا يحتاج إلى إزالة اختلافاته، لأن الاختلاف سنة من سنن المجتمعات وعناصر ثابتة في القوه ، كما أن اختلاف القوى سنة في عالم الهندسة. ما يحتاجه هو تصميم سياسي ومؤسسي يجعل هذه الاختلافات تعمل معًا بدل أن تعمل ضد بعضها.
فالحكم الرشيد ليس انتصار فئة على أخرى، بل هو إيجاد معادلة تجعل الجميع جزءًا من الاستقرار.

وفي الهندسة، كل حمل له مسار واضح حتى يصل إلى الأساسات. أما إذا ضاع مسار الأحمال، انتقلت الضغوط إلى أماكن لم تُصمم لتحملها، فيبدأ الانهيار. وكذلك الدولة؛ عندما تغيب المؤسسات، تتحول كل الأزمات إلى أزمة سياسية، وكل خلاف إلى صراع وجودي، وكل انتقال للسلطة إلى معركة بدلاً من أن يكون إجراءً دستوريًا طبيعيًا.
إن بناء السودان لا يبدأ بإعادة إعمار الطرق والجسور فقط، بل بإعادة إعمار الثقة بين المواطن والدولة، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطة والمجتمع. فالثقة هي الأساس الذي يحمل بقية الأحمال، وإذا ضعف الأساس فلن تنقذنا أجمل التصاميم.

وفي المدى المتوسط، يحتاج السودان إلى مؤسسات قوية تطبق القانون على الجميع، وإدارة عامة كفؤة، وقضاء مستقل، وحكم محلي فاعل، وآليات حقيقية للحوار والمساءلة، حتى تصبح الخلافات قابلة للإدارة داخل المؤسسات لا خارجها.
أما في المدى البعيد، فإن الاستثمار الحقيقي ليس في الخرسانة وحدها، بل في الإنسان. فالتعليم، وبناء ثقافة المواطنة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز قيم المشاركة، هي الأعمدة التي تجعل الدولة قادرة على مقاومة الأزمات جيلاً بعد جيل. فالمباني يمكن إعادة تشييدها خلال سنوات، أما بناء الثقافة المؤسسية فقد يحتاج إلى عقود، لكنه الاستثمار الوحيد الذي يدوم.
يعلمنا المهندس أن مؤسسات تجعل الاختلاف مصدرًا للإبداع، لا سببًا للانقسام.
إن السودان لا يحتاج إلى أن يصبح مجتمعًا بلا تنوع، فهذا مستحيل وغير مرغوب. بل يحتاج إلى نظام حكم رشيد يجعل من تنوعه قوة، ومن مؤسساته ميزانًا، ومن القانون مرجعًا، ومن المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات.

فكما أن المهندس لا يطلب من القوى أن تختفي، بل يجعلها تتوازن داخل تصميم محكم، فإن رجال الدولة الحقيقيين لا يلغون الاختلاف ولا يكرهون المخالف معهم، وإنما يبنون مؤسسات قادرة على إدارته بعدل وشفافية واستدامة.
وفي النهاية، تبقى الحكمة واحدة:
الجسور لا تقف لأن الرياح توقفت… بل لأنها صُممت لتقاومها.
والدول لا تستقر لأن الخلافات انتهت… بل لأنها بنت مؤسسات تجعل الخلاف لا يتحول إلى انهيار.

ولعل أعظم مشروع هندسي ينتظر السودان اليوم ليس تشييد برج أو طريق أو سد، وإنما تشييد دولةٍ متوازنة؛ دولةٍ يكون فيها القانون هو الأساس، والمؤسسات هي الأعمدة، والمواطنة هي الرابط الذي يحمل الجميع، حتى يبقى الوطن واقفًا مهما اشتدت عليه الرياح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التوعية المجتمعية ضرورة حتمية لحماية الأبراج الكهربائية

بقلم :د جهاد البدوي مقالات : تي نيوز حين يتحول العبث إلى أزمة وطنية يضر مجتمع كاملفي وقت ت…