أحلام تبتلعها الأمواج .. مأساة الهجرةبقلم : د. جهاد البدوي

مقالات : تي نيوز

حينما تكشر الحياة عن أنيابها في وجه الشباب وتضيق بهم الأرض بما رحبت يصبح البحث عن الأمل هاجساً يومياً يؤرقهم ويستنزف طاقتهم. فالشباب بطبيعتهم يحملون أحلاماً كبيرة وطموحات لا حدود لها، لكن الواقع القاسي كثيراً ما يقف بينهم وبين تحقيق تلك الأحلام فتتلاشى الفرص وتتراجع الآمال أمام ضغوط الفقر والبطالة والحروب وانعدام الاستقرار.

وفي خضم هذه التحديات يختار بعض الشباب طريق الهجرة غير النظامية معتقدين أن الضفة الأخرى من البحر تحمل لهم حياة أفضل ومستقبلاً أكثر إشراقاً يتركون خلفهم الأهل والأصدقاء والذكريات رغم صغر سن الكثيرين منهم يحملون في قلوبهم أمنيات بسيطة؛ وظيفة تحفظ كرامتهم أو تعليماً يحقق طموحهم أو حياة آمنة تضمن لهم مستقبلاً مستقراً.

لكن البحر الأبيض المتوسط الذي يبدو من بعيد بوابةً للأمل يتحول في كثير من الأحيان إلى مقبرة واسعة للأحلام. فكم من قارب انطلق محملاً بالشباب والطموحات من سواحل ليبيا ليعود خبره مأساة تتناقلها وسائل الإعلام،أو ليختفي في أعماق البحر دون أثر. وهناك بين الأمواج المتلاطمة والظروف القاسية تنتهي قصص لم تكتمل وتغرق أحلام كانت تبحث فقط عن فرصة للحياة.
إن مأساة الهجرة ليست مجرد أرقام إحصائيات بل هي حكايات إنسانية مؤلمة لشباب دفعهم اليأس إلى المجازفة بأرواحهم. هي قصص لأمهات ينتظرن اتصالاً لا يأتي وآباء يحدقون في الأفق أملاً في عودة أبنائهم وأسر تعيش بين الخوف والرجاء حتى يصلها الخبر المفجع.

ولا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بمعزل عن أسبابها الحقيقية. فالهجرة الخطرة ليست خياراً مفضلاً لدى الشباب وإنما هي في الغالب نتيجة مباشرة لغياب الفرص وانسداد الأفق وتراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وعندما يشعر الشاب أن مستقبله أصبح رهينة للظروف فإنه قد يرى في المخاطرة أملاً أخيراً للنجاة.
إن مواجهة هذه المأساة تتطلب جهداً جماعياً يبدأ بتوفير فرص العمل والتعليم والتدريب، ويمر عبر تعزيز الاستقرار والتنمية وينتهي بإعادة الثقة للشباب في أوطانهم فالشباب لا يحتاجون إلى قوارب تعبر بهم البحار بقدر حاجتهم إلى أوطان تمنحهم فرصة للحياة الكريمة وتحقيق الذات .

ويبقى السؤال المؤلم: كم من الأحلام يجب أن تبتلعها الأمواج قبل أن ندرك أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأمم يبدأ من شبابها؟ فكل شاب يغرق في رحلة هجرة هو حلم ضائع وطاقة مهدرة وقصة كان يمكن أن تكون نجاحاً لو وجدت من يرعاها ويمنحها فرصة للنمو.
رحم الله من فقدوا أرواحهم في دروب الهجرة القاسية وألهم أسرهم الصبر والسلوان وجعل من مأساتهم دافعاً للبحث عن حلول حقيقية تحفظ للشباب حقهم في الحياة والأمل والمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الرغبة في التعليم.. طريق النجاح وصناعة المستقبل

بقلم :د جهاد البدوي متابعات : تي نيوز يُعدّ التعليم من أعظم النعم التي أنعم الله بها على ا…