رياح العودة إلى السودان: قراءة نفسية في مصير النزوح والهوية

متابعات : تي نيوز

تُعد ظاهرة النزوح القسري في الوعي الجمعي زلزالاً نفسياً لا يتوقف أثره عند لحظة النجاة البدنية، بل يمتد ليعيد تشكيل مفهوم “الذات والدار”. ومن منظور الطب النفسي التحليلي، فإن ما يواجهه السودانيون اليوم في شتاتهم (من القاهرة إلى كمبالا، ومن الخليج إلى عواصم الغرب) ليس مجرد أزمة لجوء ، بل هو تصدع في “الأمن الأنطولوجي” (Ontological Security) أي الثقة الأساسية في استمرارية العالم ومكان المرء فيه.
تتحكم في رياح العودة ثلاثة محاور رئيسية تتداخل فيها الحقائق التاريخية مع الديناميكيات النفسية العميقة:

  1. سيكولوجية المكان المستباح وعقدة الذنب تختلف الهجرة الطوعية عن النزوح الحربي في نوع الرابط العاطفي بالوطن. في الحالة السودانية، اقتحمت الحرب الحيز الخاص (البيت)، وهو ما يسبب في علم النفس الصدمي ما يُعرف بـ “انتهاك الحرمة المكانية”.
    التحليل النفسي: البيوت لم تُدمر فقط، بل استُبيحت، وهذا يخلق حاجزاً نفسياً يسمى “النفور من مكان الصدمة”. العودة هنا لا تعني الرجوع إلى جدران، بل مواجهة ذكريات الانتهاك.
    شواهد تاريخية: يذكر المقريزي في كتابه “السلوك” أن أحياءً كاملة في القاهرة (مثل حارة الحسينية) بقيت خراباً لسنوات بعد فتن المماليك، ليس لنقص المال، بل لأن الناس “استوحشوا” من المكان الذي شهد استباحة حريمهم وأموالهم.
  2. متلازمة الوطن البديل وتكيف الهوية: في دول مثل أوغندا أو مصر، يجد النازح نفسه أمام عملية “تثاقف” (Acculturation) قسرية.
    في الجوار الإفريقي (أوغندا): يميل النازحون لتشكيل مجتمعات “الحد الأدنى”، حيث يظل التركيز على استراتيجيات البقاء، مما يجعل العودة خياراً أولياً بمجرد استتباب الأمن.
    في دول المهجر (أوروبا وأمريكا): تبدأ الهوية السودانية في التماهي مع قيم الاستقرار المؤسسي. وهنا يبرز صراع الولاء المزدوج ؛ حيث يصبح الوطن فكرة رومانسية بينما يصبح المهجر واقعاً آمناً.
    شاهد معاصر: التجربة السورية في تركيا وأوروبا؛ فرغم هدوء جبهات كثيرة، لم تعد الأغلبية. السبب نفسي بحت: “لقد استثمرتُ هويتي وجهدي في مكان بدأ يعطيني الأمان، والعودة تعني مقامرة جديدة بصحة عائلتي النفسية.
  3. “شرخ الثقة الجاري” وترميم النسيج: من أصعب الندوب التي تتركها الحروب الأهلية هي “بارانويا الجوار”. عندما يكون الخطر قادماً من الداخل وليس من عدو خارجي، ينكسر العقد الاجتماعي النفسي.
    التحليل النفسي: العائد يتساءل لاشعورياً: “هل جاري الذي نهب بيتي أو صمت عن نهبه هو نفسه الذي سأشاركه القهوة غداً؟”. هذا الشك يمنع الاندماج العكسي.
    شواهد حديثة: تجربة لبنان بعد الحرب الأهلية؛ استغرق الأمر عقوداً ليعود المهجرون قسرياً إلى قراهم الجبلية، وحتى بعد العودة، ظلت “الجدران النفسية” قائمة، وظل الكثيرون يفضلون البقاء في بيروت أو المهجر.

احتمالات العودة: قراءة في المسارات المستقبلية
بناءً على الشواهد التاريخية وديناميكيات الصدمة، يمكن تقسيم احتمالات العودة إلى ثلاث فئات:

  1. العودة الفيزيائية (اضطرار الواقفين على الحافة): وهي فئة النازحين في دول الجوار (كيوغندا وتشاد) الذين يعانون من ظروف معيشية قاسية. هؤلاء سيعودون مع أول هدنة مستقرة لأن ضغط الحاجة يغلب خوف الصدمة.
  2. العودة الوظيفية (النخبة المهنية): الأطباء والمهندسون والمهنيون في الخليج ودول الغرب. هؤلاء عودتهم مرتبطة بـ “ترميم الدولة” وليس “وقف الحرب”. لن يعود المهندس أو الطبيب الجراح الذي استقر مهنيا في دولة النزوح ما لم تتوفر له “بيئة عمل آمنة” تحترم كرامته المهنية.
  3. الاستيطان الموازي (النموذج الشامي في مصر): وهي الفئة التي بدأت بالفعل في نقل ثقلها التجاري والاجتماعي. هؤلاء سيحولون “رياح العودة” إلى “رحلات موسمية”؛ حيث تظل مصر أو الخليج مركزاً للحياة، والسودان مكاناً للزيارة والجذور.
    هل تداوي الأيام ما أفسدته الحرب؟
    إن “رياح العودة” للسودانيين لن تهب من خلال توقيع المعاهدات السياسية في الغرف المغلقة، بل من خلال “رحلة تعافي جمعية”. العودة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الخريطة في ذهن النازح من “ساحة معركة” إلى “مساحة آمنة”.

وكما علمنا التاريخ، فإن المدن التي تُبنى بعد الفتن (مثل قاهرة المقريزي) لا تعود أبداً كما كانت، بل تولد بهويات هجينة. السودانيون سيعودون، لكنهم سيعودون بـ “وعي الشتات”، حاملين معهم دروساً قاسية في قيم المواطنة التي لا تتجزأ، وندوباً نفسية ستشكل أدبهم وفنهم وسياساتهم لقرن قادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مدير بنك السودان آمنة ميرغني تطالب صندوق النقد الدولي تقديم الدعم الفني والمالي للسودان

متابعات : تي نيوز طالبت الاستاذة امنة ميرغني محافظ بنك السودان المركزي خلال مخاطبتها بواشن…