بقلم : وليد دليل / خبير مصرفي
مقالات : تي نيوز
في السابع عشر من أغسطس الجاري، وقّع وزيرا خارجية السودان والسعودية في الرياض وثيقة إنشاء مجلس التنسيق المشترك بين البلدين، في خطوة تُوّجت مساراً بدأ فعلياً في مارس من العام الماضي حين اتفق رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على تأسيس هذا الإطار، ثم أعاد البرهان تشكيله رسمياً في يناير الماضي. توقيت هذا التتويج ليس عابراً: يأتي المجلس في لحظة يقترب فيها الصراع الداخلي من عامه الثاني ونصف، بعد أن استنزف احتياطي البلاد النقدي وأنتج انهياراً واسعاً في البنية التحتية والإنتاج الزراعي والصناعي، بينما تقف السعودية على الطرف المقابل من المعادلة بفائض مالي واستراتيجية تنويع اقتصادي طموحة ضمن رؤية 2030 تدفعها للبحث عن مواقع استثمارية خارج حدودها في الأمن الغذائي والمعادن والطاقة. المعنى الأعمق لهذا التوقيت هو أن السودان يُقدَّم، ولو ضمناً، كساحة اختبار لنموذج شراكة يحاول أن يتجاوز صيغة المساعدات المشروطة التقليدية نحو استثمار منتج طويل الأمد، في وقت لا تزال فيه الحرب مستعرة ولم تضع أوزارها بعد، وهو ما يجعل المجلس رهاناً على المستقبل أكثر منه استجابة لواقع مستقر قائم.
اللافت في صياغة الاتفاق أن مجلس التنسيق لم يُحصر في الشق الاقتصادي، بل صرّح وزير الخارجية السوداني بأنه يمتد ليشمل المجالين الأمني والدفاعي أيضاً، وهذا التوسع في نطاق المجلس يحمل دلالة مزدوجة: فمن جهة يعكس رغبة سعودية في تأمين استثماراتها المستقبلية عبر مظلة تشمل الاستقرار الأمني لا الاقتصادي فقط، ومن جهة أخرى يضع على عاتق الحكومة السودانية عبئاً إضافياً يتمثل في ضرورة إثبات قدرتها على ضبط بيئة أمنية تسمح فعلياً بترجمة الاتفاقات الإطارية إلى مشروعات على الأرض، لا أن يبقى المجلس تصريحاً دبلوماسياً آخر يُضاف إلى سجل طويل من الأطر المؤسسية التي وُقّعت دون أن تنتج أثراً اقتصادياً ملموساً.
أما القطاعات الأكثر جاهزية لاستقطاب الاستثمار السعودي فتحددها طبيعة العلاقة القائمة أصلاً قبل الحرب، لا افتراضات جديدة.
الزراعة تتصدر هذه القطاعات بلا منازع؛ إذ كان يعمل في السودان نحو 196 مستثمراً سعودياً في الأعلاف والقمح والذرة، وهي منتجات ترتبط مباشرة بأولوية الأمن الغذائي السعودي، مع استثمارات قطاعية قُدرت بأكثر من عشرة مليارات دولار في هذا المجال وحده، ومشروعات محددة مثل مشروع "وادي ستيت وعطبرة" الذي خُصص له مليون فدان لرجال الأعمال السعوديين. إلى جانب الزراعة، تبرز الثروة الحيوانية والسمكية كامتداد طبيعي لنفس المنطق، وهو ما يفسر جزئياً الاهتمام السعودي بملفات كعطاء التونة الذي سبق تناوله، فضلاً عن قطاعي الطاقة والمعادن حيث تمتلك السعودية عبر صندوق الاستثمارات العامة وكياناته التابعة خبرة تشغيلية جاهزة للتوظيف الإقليمي. البنية التحتية، وتحديداً الموانئ والطرق الرابطة بين بورتسودان والداخل، تمثل قطاعاً رابعاً محتملاً، خاصة أن استقرار الساحل الغربي للبحر الأحمر بات يحظى بأهمية استراتيجية متصاعدة في حسابات الرياض التجارية والأمنية.
غير أن السؤال الأصعب هو ما إذا كان هذا المجلس قادراً فعلياً على إعادة تدفق الاستثمارات السعودية إلى مستوياتها التي قُدّرت في مرحلة ما قبل الحرب بنحو خمسة عشر مليار دولار متوقعة سنوياً، أم أنه سيبقى إطاراً مؤسسياً بلا أثر حقيقي. الإجابة الأمينة أن المجلس شرط ضروري لكنه غير كافٍ.
فالمجلس بطبيعته أداة تنسيق سياسي ومؤسسي، يوفر مظلة تجمع الجهات ذات الصلة من الجانبين وتحول التعاون إلى مبادرات ذات مستهدفات محددة كما ورد في بيان التوقيع، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة العقبات البنيوية التي ظلت تواجه المستثمر السعودي تحديداً قبل اندلاع الحرب وأثناءها. وأبرز هذه العقبات، من واقع خبرتي المصرفية المباشرة، ثلاث: أولها ضعف آليات تحويل الأموال والأرباح عبر جهاز مصرفي يعاني من محدودية في قنوات المراسلة الدولية وصعوبات مزمنة في تحويل العملة الأجنبية، وهي عقبة تتفاقم حالياً مع حالة التشرذم النقدي التي تشهدها السوق السودانية. وثانيها غياب الشفافية في منح الامتيازات الاستثمارية، حيث ظلت بعض العقود الزراعية والتعدينية تُمنح لشركات بعينها دون آلية تنافسية واضحة، ما يخلق حالة من عدم اليقين القانوني لدى أي مستثمر جاد يبحث عن ضمانات ملكية طويلة الأمد. وثالثها، وهو الأخطر راهناً، غياب الاستقرار الأمني والسياسي نفسه، إذ لا معنى لأي حديث عن استثمار مستدام في ظل استمرار العمليات العسكرية وتذبذب السيطرة الجغرافية بين مناطق النزاع.
ولكي ينجح المجلس اقتصادياً، فإن العبء الأكبر يقع على الجانب السوداني أكثر من الجانب السعودي، لأن الرياض أبدت استعدادها المالي والسياسي مراراً، لكن الاستثمار لا يتبع النية الحسنة وحدها بل يتبع الحوافز المؤسسية الملموسة. يستلزم ذلك، أولاً، تحديث قانون الاستثمار وإنشاء نافذة موحدة للتراخيص تختصر البيروقراطية التي طالما نفّرت رأس المال الأجنبي. ويستلزم ثانياً إصلاحاً مصرفياً حقيقياً يضمن قنوات تحويل مالية موثوقة وشفافة، بحيث يستطيع المستثمر السعودي إدخال رأسماله وسحب أرباحه دون عراقيل تتعلق بشح النقد الأجنبي أو تعقيدات المراسلة البنكية. ويستلزم ثالثاً وضع خريطة استثمارية واضحة تحدد الأولويات القطاعية والجغرافية بدقة، بدلاً من ترك المستثمر يتلمس طريقه في بيئة معلوماتية ضبابية. وأخيراً، لا غنى عن ربط أي حديث اقتصادي بمسار سياسي وأمني واضح يفضي إلى وقف فعلي للحرب، إذ يبقى السلام، كما يُجمع كثير من المتابعين للشأن الاستثماري السوداني، الشرط الأول الذي بدونه تتحول كل المعادلات الاقتصادية إلى حبر على ورق.
وفيما يخص إمكانية تحول المجلس إلى منصة فعلية لدعم إعادة الإعمار بعد الحرب، فإن المؤشرات الأولية تسمح بهذا التفاؤل الحذر، خصوصاً أن توسيع نطاق المجلس ليشمل الجوانب الأمنية والدفاعية إلى جانب الاقتصادية يوحي بأن الرياض تنظر إلى الملف السوداني كاستثمار استراتيجي شامل لا كصفقة تجارية محدودة الأفق. لكن هذا التحول من إطار تنسيقي إلى منصة إعمار فعلية يحتاج إلى ثلاثة عناصر لم تتضح ملامحها بعد في وثيقة التأسيس المعلنة: آلية تمويل واضحة تحدد ما إذا كانت الاستثمارات ستمر عبر صناديق سيادية مباشرة أم عبر شراكات مع القطاع الخاص السعودي، وجدول زمني مرحلي يربط مخرجات المجلس بمراحل استقرار سياسي وأمني قابلة للقياس، وآلية رقابية مشتركة تضمن وصول العائد الاستثماري إلى مؤسسات الدولة الشرعية بشفافية بدلاً من تسربه في قنوات غير رسمية. فإذا توفرت هذه العناصر، فإن مجلس التنسيق قد يتحول تدريجياً من وثيقة توقيع دبلوماسية إلى الهيكل المؤسسي الذي يقود مرحلة إعادة الإعمار الاقتصادي بعد الحرب، أما في غيابها فسيبقى، كغيره من الأطر الثنائية السابقة بين البلدين، أداة تعبر عن حسن النية أكثر مما تترجم إلى واقع ملموس في حياة السودانيين واقتصادهم المنهك.
الرئيس ترامب يهين مراسلة «سي إن إن» أمام الكاميرات
وكالات : تي نيوز أثار جدلاً واسعاً داخل أروقة البيت الأبيض، وبّخ الرئيس الأمريكي دونالد تر…







