الطاقة الشمسية ليست رفاهية… بل مشروع إنقاذ وطني للسودان

بقلم : بروفسير طارق محمد حسن (حربي)

مقالات : تي نيوز

كيف يمكن للحكومة أن تحول أزمة الكهرباء إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر استقراراً؟

لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل أصبحت أزمة تمس حياة المواطن اليومية، وتعطل التعليم، وتؤثر على الخدمات الصحية، وتوقف عجلة الإنتاج في الزراعة والصناعة والتجارة. ومع الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء نتيجة الحرب، فإن العودة إلى الوضع الطبيعي قد تحتاج إلى سنوات من العمل والاستثمارات الضخمة. لذلك فإن التفكير في حلول تقليدية لم يعد كافياً، بل أصبح من الضروري البحث عن حلول ذكية وسريعة وقابلة للتنفيذ.

ومن بين أهم هذه الحلول أن تعتبر الدولة الطاقة الشمسية سلعة استراتيجية، تماماً كما تتعامل مع القمح أو الدواء أو الوقود. فالكهرباء اليوم لم تعد خدمة كمالية، بل أصبحت حقاً أساسياً تقوم عليه حياة الإنسان والاقتصاد معاً.

ومن هنا أرى أن تتولى الحكومة، عبر وزارة الطاقة والهيئة القومية للكهرباء، قيادة مشروع وطني للطاقة الشمسية، بحيث تقوم باستيراد منظومات الطاقة الشمسية مباشرة وبكميات كبيرة، مع منحها إعفاءات جمركية وضريبية كاملة. فالشراء المركزي يخفض الأسعار بصورة كبيرة، ويضمن جودة المعدات، ويمنع دخول منتجات رديئة قد تفقد المواطن ثقته في هذه التقنية.

لكن نجاح المشروع لا يكتمل بمجرد الاستيراد، بل يجب أن يصل إلى كل منزل. ولذلك يمكن للحكومة أن تبني شراكات ذكية مع البنوك والمؤسسات التمويلية لتوفير منظومات الطاقة الشمسية للمواطنين بنظام التقسيط الميسر، بحيث تصبح قيمة القسط الشهري قريبة مما كانت الأسرة تنفقه على الوقود أو المولدات أو خسائر انقطاع الكهرباء. وبهذه الطريقة تتحول الطاقة الشمسية من حلم بعيد إلى خدمة متاحة لمعظم الأسر.

ولتقريب الفكرة، تخيل أسرة في إحدى الولايات لا يصلها التيار الكهربائي إلا ساعات قليلة في اليوم. هذه الأسرة لا تحتاج إلى محطة كهرباء ضخمة، وإنما إلى منظومة شمسية صغيرة تكفي لتشغيل الإضاءة، والثلاجة، والمراوح، وشحن الهواتف، وربما جهاز حاسوب يساعد الأبناء في الدراسة. مثل هذا الحل يغير حياة الأسرة بالكامل، ويمنحها استقراراً يومياً دون انتظار اكتمال إعادة بناء الشبكة القومية.

والأثر لا يقتصر على المنازل فقط. فالمزارع الذي يعتمد على مضخة تعمل بالطاقة الشمسية يستطيع ري أرضه بتكلفة أقل، وصاحب الورشة يمكنه مواصلة عمله دون توقف، والمركز الصحي يستطيع حفظ اللقاحات والأدوية الحساسة، والمدرسة تستطيع تشغيل المعامل وأجهزة الحاسوب. وهكذا تتحول الطاقة الشمسية إلى محرك للتنمية، وليس مجرد مصدر بديل للكهرباء.

ولكي لا تتحمل الدولة وحدها تكلفة هذا المشروع، يمكنها إطلاق سندات استثمارية للطاقة (Energy Bonds) أو السندات الخضراء (Green Bonds)، تُطرح داخل السودان وللسودانيين في الخارج، وبالعملات الصعبة، ويُخصص ريعها لإنشاء محطات طاقة شمسية ومشروعات البنية التحتية للطاقة. ويحصل المستثمرون على عوائد دورية وفق ضوابط مالية واضحة وشفافة.

وقد نجحت دول عديدة في تمويل مشروعاتها بهذه الآلية. فقد استخدمت مصر السندات الخضراء لتمويل مشروعات مستدامة، كما اعتمدت المغرب على استثمارات متنوعة لتطوير أحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم، بينما استفادت دول مثل الهند من الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية على نطاق واسع. هذه التجارب تؤكد أن تمويل الطاقة لم يعد يعتمد فقط على ميزانية الدولة، بل على إشراك المجتمع والمستثمرين في بناء المستقبل.

وفي المقابل، ينبغي أن تضع الحكومة مواصفات وطنية موحدة للمعدات، وتؤهل الفنيين، وتدعم مراكز الصيانة، حتى تستمر المنظومات بكفاءة لسنوات طويلة. فنجاح المشروع لا يقاس بعدد الألواح التي تُركب، بل بقدرتها على تقديم خدمة مستقرة ومستدامة للمواطن.

إن إعادة إعمار قطاع الكهرباء ستستغرق وقتاً، لكن حياة الناس لا يمكن أن تنتظر. والطاقة الشمسية ليست بديلاً دائماً عن الشبكة القومية، وإنما حل استراتيجي مرحلي يخفف معاناة المواطنين، ويمنح الدولة الوقت الكافي لإعادة بناء البنية التحتية دون أن تتوقف الحياة.

إن السودان يمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، وهذه الثروة الطبيعية يجب أن تتحول إلى ثروة اقتصادية واجتماعية. وما نحتاجه اليوم ليس فقط أشعة الشمس، فهي موجودة، وإنما قرار وطني شجاع يحولها إلى كهرباء في كل منزل، وكل مزرعة، وكل مدرسة، وكل مستشفى.

فربما يكون الطريق الأقصر لإعادة النور إلى السودان… هو أن نستثمر في الشمس التي تشرق علينا كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

كميات من البصل السوداني في طريقها الى أثيوبيا !

متابعات : تي نيوز إستعرض عدد من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، مشاهد تُظهر شاحنات م…