بقلم : عبدالعزيز عبدالله عبدالمحمود
مقالات : تي نيوز
“إذا بلغ الفطام لنا صبيٌّ، تخرُّ له الجبابرة ساجدينا.”
ليس هذا البيت الشعري مجرد مفاخرة بالماضي، بل تذكير بأن الأمم التي تُحسن تربية أطفالها وتعليمهم، هي الأمم التي تصنع المستقبل. فالأطفال الذين يجلسون اليوم على مقاعد الدراسة هم العلماء، والأطباء، والمهندسون، والمعلمون، ورواد الأعمال، وصناع القرار في الغد.
“تشير تقديرات اليونيسف إلى أن نحو أربعة ملايين فتاة سودانية ما زلن خارج العملية التعليمية، في واحدة من أكبر الأزمات التعليمية في العالم، مما يهدد مستقبل جيل كامل من الفتيات ويقوض فرص التنمية والاستقرار في السودان.” كما تشير تقديرات اليونسيف ايضا انه لا تزال 119 مليون فتاة حول العالم خارج مقاعد الدراسة. فكل فتاة تُحرم من التعليم هي قائدة مستقبلية، أو مبتكرة، أو رائدة أعمال، أو صانعة تغيير، تبقى إمكاناتها غير مستغلة.
في G-MSF، نؤمن بأن التعليم هو أحد أقوى الأدوات للقضاء على الفقر، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وخلق فرص عمل لائقة، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود. فعندما يكتسب الشباب المعرفة والمهارات العملية، فإنهم ينالون الثقة والفرص اللازمة لتغيير حياتهم، ودعم أسرهم، والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.
لقد كان السودان يومًا منارةً للعلم في محيطه الإقليمي. خرجت مدارسه وجامعاته أجيالًا تركت بصماتها في الطب والهندسة والقضاء والإدارة والتعليم والزراعة والاقتصاد داخل البلاد وخارجها. وكانت المدرسة السودانية أكثر من مجرد مبنى؛ كانت مصنعًا للقيم، ومنبرًا للمعرفة، وفضاءً لصناعة الشخصية والانتماء.
لكن الحرب وما صاحبها من دمار ونزوح وانهيار للبنية التعليمية أحدثت جرحًا عميقًا في جسد الوطن. ملايين الأطفال انقطعوا عن الدراسة، وآلاف المدارس تعرضت للتدمير أو الإغلاق أو أصبحت مراكز للإيواء، وفقدت أجيال كاملة سنوات من عمرها التعليمي، في واحدة من أخطر الأزمات التي تهدد مستقبل السودان.
إن أخطر ما تخلفه الحروب ليس الخراب المادي وحده، بل خسارة الإنسان. فالطفل الذي يُحرم من التعليم اليوم يصبح أكثر عرضة للفقر، والبطالة، والاستغلال، والعنف، والهجرة القسرية، وتضيع معه فرصة بناء وطن أكثر استقرارًا وازدهارًا.
إن عودة المدارس ليست مجرد إعلان عن بداية عام دراسي جديد، بل هي إعلان عن عودة الدولة إلى أداء أهم وظائفها، وعودة المجتمع إلى الحياة الطبيعية، واستعادة الأمل في المستقبل. غير أن العودة وحدها لا تكفي، فالسؤال الحقيقي هو: إلى أي تعليم نعود؟
لا نريد أن نعيد إنتاج نظام تعليمي تجاوزه العالم، بل نريد تعليمًا حديثًا يواكب الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ويؤهل أبناءنا للمنافسة في الاقتصاد العالمي. نريد مناهج تُنمّي التفكير النقدي، والابتكار، والبحث العلمي، والعمل الجماعي، وريادة الأعمال، والمهارات الرقمية، واللغات، لا مجرد الحفظ والتلقين.
كما نحتاج إلى سلم تعليمي مرن ومتطور، يتوافق مع المعايير الدولية، ويمنح الطالب مهارات حقيقية تؤهله لسوق العمل المحلي والإقليمي والعالمي. فالعالم اليوم لا يقيس نجاح التعليم بعدد الشهادات، وإنما بقدرة الخريج على الإبداع، وحل المشكلات، والإنتاج، والتكيف مع المتغيرات.
ولا يقل تطوير المعلم أهمية عن تطوير المناهج؛ فالمعلم هو حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي. إن الاستثمار في تأهيله، وتحسين بيئة عمله، وتمكينه من استخدام التقنيات الحديثة، هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن.
كما أن التحول الرقمي في التعليم لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة. فالفصول الذكية، والمكتبات الرقمية، والتعليم الإلكتروني، والمهارات التقنية، كلها أدوات يجب أن تكون جزءًا من المدرسة السودانية الجديدة، حتى لا يبقى أبناؤنا على هامش الثورة المعرفية التي يشهدها العالم.
إن إعادة إعمار المدارس يجب أن تتزامن مع إعادة إعمار الإنسان. فالمدرسة ليست جدرانًا وأسقفًا فحسب، بل هي بيئة آمنة تصنع الشخصية، وتغرس قيم المواطنة، والتسامح، والسلام، واحترام التنوع، والعمل والإنتاج.
لقد أثبتت تجارب الدول التي خرجت من الحروب أن النهضة تبدأ من المدرسة قبل أي قطاع آخر. فالتعليم ليس بندًا في الموازنة، بل هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة. وكل جنيه يُنفق على تعليم طفل اليوم، يوفر أضعافه مستقبلًا في التنمية والاستقرار والأمن.
إن السودان يمتلك تاريخًا عريقًا في الريادة، وشعبًا قادرًا على النهوض متى ما توفرت له الفرصة. وما نحتاجه اليوم هو إرادة وطنية تجعل التعليم أولوية لا تقبل التأجيل، ومشروعًا قوميًّا تتكاتف من أجله الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليون.
لقد آن الأوان أن يتحرك قطار التعليم من جديد، لا ليعود إلى محطته القديمة، بل لينطلق نحو مستقبل أكثر إشراقًا، يحمل معه مدرسةً حديثة، ومناهج عصرية، ومعلمين مؤهلين، وطلابًا يمتلكون المعرفة والمهارة والقيم.
فالأمم تُبنى بالعقول قبل المباني، وبالمعرفة قبل الثروات، وبالتعليم قبل أي شيء آخر. وإذا أردنا أن يستعيد السودان مكانته بين الأمم، فإن أول الطريق يبدأ من الفصل الدراسي، ومن كتاب الطفل، ومن معلم يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع وطني.
النجمة أم ضيل على سماء الفاشر
بقلم : قاسم الفكي مقالات : تي نيوز عندما يظهر المذنب علي الأفق الشرقي أو الغربي للكون، يسا…






