هل تصنع الشرطة الأمن… أم تكتفي بإعلان الضبطيات؟

بقلم : اسماعيل شريف

متابعات : تي نيوز

ليست المشكلة في أن تعلن الشرطة عن ضبط شحنة مخدرات، أو القبض على عصابة، أو إحباط عملية تهريب. فهذه إنجازات تستحق الإشادة، وتعكس يقظة الأجهزة الأمنية وجهود أفرادها في ظروف استثنائية فرضتها الحرب وما خلفته من تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو هل تخدم الطريقة التي تُقدَّم بها هذه الأخبار الهدف الذي تسعى إليه الدولة؟

في الدول المستقرة قد يكون نشر أخبار الجريمة جزءًا من الشفافية المعتادة، أما في السودان، الذي يحاول أن ينهض من حرب أنهكت الإنسان والمؤسسات، فإن الكلمة لم تعد مجرد خبر، بل أصبحت أداة لصناعة الانطباع العام، في الداخل والخارج معًا.

كل خبر عن ضبط آلاف الرؤوس من مخدر البنقو، أو اكتشاف شبكة إجرامية، أو مداهمة عصابة، يحمل رسالتين في الوقت نفسه؛ الأولى تقول إن الشرطة تؤدي واجبها بكفاءة، والثانية – دون قصد – قد توحي بأن الجريمة أصبحت واسعة الانتشار إلى درجة تستدعي هذه الضبطيات المتكررة.

وهنا تكمن المعضلة.

فالرأي العام لا يحتفظ في ذاكرته بتفاصيل نجاح العملية الأمنية، بقدر ما يحتفظ بتكرار مفردات مثل المخدرات، والنهب، والقتل، والتهريب، والعصابات. ومع مرور الوقت، تتشكل صورة ذهنية قد تكون أشد تأثيرًا من الواقع نفسه.

ولعل السودان اليوم أحوج ما يكون إلى بناء صورة مختلفة؛ صورة بلد يستعيد مؤسساته، ويعيد الأمن إلى مدنه، ويبعث برسائل طمأنة إلى ملايين السودانيين الذين ينتظرون قرار العودة، وإلى المستثمرين، والمنظمات، والشركاء الإقليميين والدوليين الذين يراقبون المشهد عن كثب.

فالشرطة ليست جهازًا لإنفاذ القانون فحسب، بل هي أيضًا أحد أهم صُنّاع الثقة العامة. ومنصاتها الإعلامية ليست مجرد نافذة لنشر الأخبار، وإنما أداة من أدوات الأمن الوطني وصناعة الصورة الذهنية للدولة.

إن نجاح الشرطة الحقيقي لا يقاس بعدد الضبطيات التي تُنشر، وإنما بقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأن الجريمة استثناء، لا أنها أصبحت المشهد اليومي الذي يطالع الناس مع كل بيان جديد.

ولهذا، ربما آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة الإعلام الأمني، بحيث ينتقل من التركيز على حجم الجريمة إلى التركيز على فاعلية الدولة في منعها، ومن استعراض تفاصيل الوقائع إلى إبراز مؤشرات الاستقرار، والوقاية، والشراكة مع المجتمع، وعودة الحياة الطبيعية.

فالرسالة التي تقول “أحبطنا محاولة تهريب قبل وصولها إلى المواطنين ضمن خطة أمنية ناجحة”، تختلف كثيرًا عن رسالة تتصدرها أرقام المضبوطات وأوصاف الجريمة. الأولى تصنع الثقة، والثانية – وإن كانت صحيحة – قد تصنع القلق.

وفي مرحلة إعادة بناء السودان، قد تكون الصورة الذهنية التي نصنعها عن وطننا لا تقل أهمية عن المعركة التي نخوضها لحماية أمنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الآثار الإجتماعية للحربالمنح الدراسية ثروتنا المنهوبة

بقلم : د.سامى الدين محمد سعيد تأتى المنح Scholarship عن طريق :- ١/الحكومات الأجنبية (برنام…