اهتزاز الإنسانية وفوترة المريض

بقلم : د. جهاد البدوي

مقالات : تي نيوز

من الطبيعي أن يُبتلى الإنسان بالمرض ففي لحظة الابتلاء تتراجع كل مظاهر القوة ويصبح المريض في أمسّ الحاجة إلى كلمة طيبة ولمسة حانية بقدر حاجته إلى الدواء وإلى ابتسامة صادقة ومشاعر إيجابية بقدر حاجته إلى التشخيص الصحيح.

لكن المؤسف أن بعض المؤسسات الصحية ولا سيما بعض العيادات الخاصة باتت تتعامل مع المريض باعتباره مصدرًا للجباية أكثر من كونه إنسانًا أنهكه الألم فيجد نفسه محاصرًا بقائمة طويلة من الرسوم والفحوصات قد يكون بعضها ضروريًا بينما يثير بعضها الآخر تساؤلات حول مدى الحاجة إليه وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بما يملك في جيبه لا بما يعانيه في جسده.

ثم تبدأ مرحلة الوصفات العلاجية فتتحول رحلة العلاج إلى سلسلة من الأدوية والمحاليل الوريدية التي أصبحت مشهدًا مألوفًا في الشوارع والمؤسسات والأسواق حتى صار من الطبيعي أن ترى شخصًا يتجول وهو يحمل “الكاينون” الوريدي في يده في مشهد يطرح تساؤلات عديدة حول ثقافة العلاج وممارساته
وما يزيد المعاناة أن بعض المرضى لا يواجهون المرض وحده بل يواجهون أيضًا سوء المعاملة فمن المؤلم أن يقابل المريض طبيبًا متوترًا أو متعاليًا ينظر إليه باستصغار أو يرفع صوته عليه أو يوجه إليه عبارات جارحة لا تليق بمهنة عنوانها الرحمة .

فالطب رسالة قبل أن يكون مهنة وأخلاق قبل أن يكون تجارة. والقسم الذي يؤديه الطبيب في بداية مسيرته المهنية يقوم على حفظ حياة الإنسان وتخفيف آلامه واحترام كرامته دون استغلال أو تجريح. وعندما تطغى الحسابات المادية على هذه الرسالة يفقد الطب جانبًا من إنسانيته.
ولا يعني ذلك إنكار حق الأطباء والمؤسسات الصحية في الحصول على مقابل عادل لخدماتهم فهذه مهنة لها تكاليفها واستحقاقاتها لكن هناك فرقًا كبيرًا بين استيفاء الحقوق وبين استغلال حاجة المريض لتحقيق مكاسب مبالغ فيها أو زيادة معاناته النفسية بسوء المعاملة.

إن المريض لا يطلب المستحيل بل يريد أن يُعامل باحترام وأن يجد من يصغي إليه وأن يشعر بأن من يقف أمامه طبيب يحمل ضميرًا حيًا قبل أن يحمل سماعة طبية.
فالمريض عندما يقصد المؤسسة العلاجية لا يبحث عن الدواء وحده بل يبحث عن الرحمة التي تسكن قلب الطبيب وعن الابتسامة التي تمنحه الأمل وعن قرار طبي يضع مصلحة الإنسان فوق أي اعتبار آخر.

المواطن البسيط لا يريد سوى علاج متكامل يجمع بين كفاءة الطب وسمو الأخلاق لأن الإنسانية حين تكون أساس الممارسة الطبية، يصبح العلاج أكثر أثرًا وتغدو المهنة رسالة رحمة قبل أن تكون وسيلة للكسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

يابرهان٠٠أقسط الميزان .. وأنصف الفاشر السلطانبقلم : قاسم الفكي

مقالات : تي نيوز السيد رئيس مجلس السيادة ، القائد العام للقوات المسلحة السودانية٠٠ الموقر …