بين نار الأجداد وصمت الأحفاد.. رأس السنة الهجرية وذاكرة تنتظر الإحياء

بقلم د. جهاد البدوي

مقالات : تي نيوز

  مع إشراقة كل عام هجري جديد تتجدد في الذاكرة صور من الماضي الجميل حين كانت رأس السنة الهجرية مناسبة تحمل من المعاني ما يتجاوز مجرد الانتقال من عام إلى آخر، لتصبح محطة للتأمل والتواصل واستحضار القيم الدينية والاجتماعية التي شكلت وجدان المجتمع عبر الأجيال.

في كثير من قرى وأرياف السودان، ولا سيما في دارفور كان استقبال العام الهجري الجديد يرتبط بعادات وتقاليد راسخة توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد. كانت الأسر تتجمع في الساحات والميادين وتُشعل النار الجديدة إيذاناً ببداية عام جديد بينما تُجدد نار السعية والضريان التي ظلت متقدة طوال العام في مشهد يجمع بين الرمزية الاجتماعية والروح الجماعية التي تميز حياة الناس آنذاك. “وناركم ما بتموت يا وليد”

لم تكن تلك الطقوس مجرد مظاهر احتفالية عابرة بل كانت مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية وتصفية النفوس وتجديد أواصر المحبة والتراحم بين أفراد المجتمع وكانت فرصة يلتقي فيها الصغار بالكبار فيتعلم الأبناء من تجارب الآباء وتنتقل القيم والعادات من جيل إلى جيل بصورة طبيعية وعفوية
أما اليوم فإن رأس السنة الهجرية تمر على كثير من الناس وكأنها يوم عادي لا يختلف عن سائر الأيام في وقت تحظى فيه مناسبات أخرى باهتمام واسع وحضور لافت وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تراجعت مكانة بعض مناسباتنا الدينية والاجتماعية في وجدان الأجيال الجديدة؟ وهل أصبحنا نفقد شيئاً من ذاكرتنا الجماعية مع مرور الزمن؟

إن الحديث عن إحياء هذه المناسبة لا يعني الدعوة إلى مظاهر احتفالية صاخبة وإنما استعادة معانيها العميقة ودلالاتها التربوية فرأس السنة الهجرية ترتبط بحدث عظيم في التاريخ الإسلامي هو الهجرة النبوية الشريفة بما تحمله من دروس في الصبر والتضحية والتخطيط والأمل وبناء المستقبل.
كما أن تعريف الأبناء بعادات الأجداد وتقاليدهم الأصيلة يسهم في تعزيز شعورهم بالانتماء لهويتهم الثقافية والدينية ويمنحهم إحساساً بالارتباط بتاريخهم ومجتمعهم. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها وتحترم تراثها تكون أكثر قدرة على بناء مستقبلها بثقة ووعي.

إن فقدان التواصل بين الأجيال لا يؤدي فقط إلى اندثار بعض العادات بل قد يفضي إلى ضياع جزء مهم من الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع. ومن هنا تبرز أهمية المحافظة على المناسبات الدينية وإحيائها بروحها الأصيلة بما يعزز القيم النبيلة ويقوي جسور التواصل بين الماضي والحاضر.
ومع بداية عام هجري جديد، لعلها فرصة لمراجعة علاقتنا بتاريخنا وموروثنا وأن نمنح أبناءنا نصيباً من الحكايات الجميلة التي عاشها أجدادنا ليبقى الماضي حاضراً في الذاكرة وتبقى الهوية متجذرة في النفوس ولو بالقصص والروايات لأبناء اليوم.
وكل عام والأمة الإسلامية بخير سائلين الله أن يجعله عاماً مليئاً بالخير والأمن والسلام والبركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تلميذة( نازحة) من جنوب دارفور تتحصل علي الدرجة الكاملة 280درجة وتحرز المرتبة الاولي في الشهادة المتوسطة بولاية كسلا

متابعات : تي نيوز /كتب: خالد جبريل فخر وبك حق لنا ان نتباهى ونعتز ونعرض ونغني فرحا بنجاحك …