متابعات : تي نيوز
بخطوات تحمل دلالات سياسية وعسكرية بالغة الاهمية، احتضنت مدينة جدة لقاء رفيع المستوى جمع بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان، وصاحب السمو الملكي الامير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي. هذا اللقاء، الذي عقد في القصر الملكي، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل كان حلقة جديدة في سلسلة “المصير المشترك” التي تربط ضفتي البحر الاحمر.
مباحثات الثبات والتضامن
ناقشت القمة مسار العلاقات الثنائية وافاق تعزيزها، حيث جدد البرهان شكر السودان للمملكة على مواقفها الداعمة في كافة المجالات. وفي موقف يعكس عمق التحالف، اكد البرهان تضامن السودان الكامل مع المملكة ضد اي اعتداءات تستهدف امنها، مشددا على ادانة السودان للتحركات الايرانية العدائية، ومعتبرا ان “امن السعودية جزء لا يتجزأ من امن السودان”. من جانبه، اكد ولي العهد الامير محمد بن سلمان على عمق الروابط التاريخية، مثمنا مواقف الخرطوم الداعمة للمملكة.
الزيارة الثالثة: دلالة التوقيت والسياق
تأتي هذه القمة السودانية السعودية الأخيرة بجدة كحلقة مفصلية في مسار الحراك الدبلوماسي بين البلدين، حيث تُعد هذه الزيارة الثالثة رسمياً للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى المملكة منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023. وقد استهل البرهان جولاته للمملكة في نوفمبر 2023 لبحث مسار (منبر جدة)، تلتها زيارة ثانية في رمضان 2025 لتعزيز التنسيق المشترك، وصولاً إلى هذه القمة المحورية التي تزامنت مع دخول الحرب عامها الثالث.
وتركزت المباحثات بين البرهان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان على ضرورة استعادة الاستقرار وحماية مؤسسات الدولة، مع تأكيد الرياض على استمرار دورها القيادي في تيسير الحوار السوداني-السوداني وتقديم الدعم الإنساني لتجاوز تداعيات الأزمة
فلاش باك: “اعلان جدة” كدستور اخلاقي
تأتي هذه الزيارة لتعيد الاذهان الى مايو من العام الماضي، حين صيغ تحت سقف القاعات المطلة على البحر الاحمر “اعلان جدة”. آنذاك، وضع ما يشبه “الدستور الاخلاقي” للحرب؛ نص على خروج المسلحين من الاعيان المدنية وفتح ممرات آمنة للاغاثة. كانت ولا تزال الرياض تراهن على ان “الانسانية” هي المدخل الوحيد للسياسة، وهو الرهان الذي تعض عليه المملكة بالنواجذ رغم عواصف الميدان وتحولات الواقع العسكري.
المنصة التي لا بديل عنها
تتمسك الرياض، بالتعاون مع واشنطن، بمركزية “منصة جدة” كمرجعية وحيدة قادرة على انتاج اتفاق ملزم لوقف اطلاق النار. وترتكز السياسة السعودية هنا على ثلاثة محاور: رفض “التدويل السلبي” للارتهان للتدخلات الاجنبية، الحفاظ على مركزية الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، وممارسة “الحياد الايجابي” الذي جعل من المملكة وسيطا مقبولا يمتلك قنوات اتصال فعالة مع كافة الاطراف.
لغة الارقام: الجسر الذي لا ينقطع
بعيدا عن اروقة السياسة، تظل السعودية “رئة الحياة” للسودانيين عبر مركز الملك سلمان للاغاثة (KSrelief). ووفقا لبيانات مطلع عام 2026، تجاوزت المساعدات السعودية 125.5 مليون دولار، فيما بلغت الالتزامات الاجمالية اكثر من 500 مليون دولار. وقد سيرت المملكة جسرا جويا وبحريا شمل 13 طائرة واكثر من 60 باخرة وصلت بورتسودان، محملة بآلاف الاطنان من الغذاء والدواء، فضلا عن الحملات الشعبية عبر منصة “ساهم” التي عكست تعاطف الشعب السعودي الصادق.
خصوصية العلاقة: الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد
يرسم نائب المدير العام لمركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية، الفاتح عثمان محجوب، في حديثه لـ (العودة)، اطارا عريضا لهذه العلاقة، واصفا اياها بـ “الخصوصية”. فالمملكة ليست مجرد جار يفصل بينه وبين السودان 400 كيلومتر من مياه البحر الاحمر فحسب، بل هي المستضيف الاكبر للجالية السودانية والوجهة الرئيسية لصادرات الثروة الحيوانية.
ويؤكد محجوب ان هذه الشراكة الاقتصادية والسياسية الراسخة لم تأثر بتغير الحكام، مشيرا الى ان الرياض كانت دوما “الداعم الصارم للشرعية” والسباقة لانهاء الحرب. ويرى ان توقيت الزيارة يمنحها اهمية قصوى، لتزامنها مع جهود دولية (معلنة وخفية) لتسوية الازمة، وتأكيدا لتضامن الحكومة السودانية مع المملكة في ظل التوترات الاقليمية الناتجة عن الصراع “الامريكي الاسرائيلي” مع جمهورية ايران، مما يعكس متانة العلاقة بين القيادتين في ظل انباء عن تنسيق (سوداني، سعودي، قطري، تركي) مرتقب في شؤون الاقليم.
عقبات الدبلوماسية: تحالفات “افشال” المبادرات
في زاوية اكثر عمقا، يكشف محجوب عن كواليس معقدة تواجه الدبلوماسية السعودية، موضحا ان هناك محاولات تقودها الامارات العربية المتحدة، مدعومة باسرائيل، لافشال اي جهد دولي لانهاء الحرب في السودان. ويشير الى ان هذه الاطراف تجتهد لجر واشنطن بعيدا عن الرياض، مما حال دون تبلور المبادرة “السعودية الامريكية” التي اعلن عنها ولي العهد والرئيس ترامب قبل ثلاثة اشهر، محذرا من مخططات تهدف لدفن تلك المبادرة والتخلص منها.
مسرح العمليات: انشقاقات وموازين جديدة
من جانبه، يربط المحلل السياسي محي الدين ابراهيم جمعة، في افادته لـ (العودة)، بين الزيارة والتطورات المتسارعة في مسرح العمليات العسكرية، خاصة التقدم الكبير للجيش والقوات المشتركة في “محور كردفان”. ويرى جمعة ان انشقاق القائد النور قبة وانضمامه للجيش يمثل “نقطة تحول” قد تغير المعادلة الميدانية بالكامل.
ويطرح جمعة فرضية مهمة حول دوافع الزيارة، اذ يعتقد انها قد تكون جاءت بضغط من الاطراف الداعمة لـ “المليشيا” على الرياض، لدفعها نحو ممارسة ضغوط على القوات المسلحة لايقاف العمليات العسكرية والتوجه للتفاوض. ومع ذلك، يشدد جمعة على ان السعودية ظلت “داعمة لموقف السودان” دون اي خلاف يذكر، مما يرجح ان اللقاء يهدف لوضع “خارطة طريق جديدة” تضمن دعم رؤية السودان لانهاء الحرب، والتشاور المباشر حول كيفية التعامل مع الواقع الجديد بعد انشقاق “قبة”.
خلاصة القول
تظل قمة جدة الاخيرة بمثابة “جرد حساب” سياسي وعسكري، يؤكد ان السودان لا يزال يرى في الرياض الحليف الاوثق، بينما ترى المملكة في استقرار السودان وتأمين البحر الاحمر ركيزة اساسية لامنها القومي، رغم محاولات “التشويش” الاقليمي التي تسعى لعرقلة هذا المسار.
الإعيسر : المرحلة الحالية “مسيرة أمل متجددة” عنوانها “يداً بيد”، تتكاتف فيها الجهود وتتحد الإرادات لصناعة مستقبل أفضل يليق بالجميع
الخرطوم : تي نيوز قال وزير الثقافة والاعلام والسياحة والاثار خالد الاعيسر أن التحديات، مهم…






