إذا لم نحاكم الكراهية… سنشيع السودان

بقلم : حامد أملس

متابعات : تي نيوز

في كل مرة نكتب فيها عن الوطن، نكتشف أن الخطر لم يعد فقط في فوهة بندقية، بل في فم ينفث سما، وفي قلم يخط ناراً، وفي عقل استسلم للقبيلة حتى كاد ينسى أن السودان وطن قبل أن يكون انتماء ضيقاً. لقد حذرنا مراراً، وقلنا إن الكلمة قد تقتل، وإن خطاب الكراهية أخطر من الرصاص، لأنه يمهد له ويبرره ويشرعن له.

لكن يبدو أن البعض لا يريد أن يفهم، أو ربما لا يريد للسودان أن ينجو أصلا.
أيها السادة في الأجهزة الأمنية والحكومة السودانية، إن الصمت على خطاب الكراهية سيؤدي بالسودان إلى حافة الهاوية وسيهلكنا جميعاً. وإن ترك منابر الفتنة مفتوحة، دون محاسبة، هو بمثابة إعطاء الضوء الأخضر لكل من تسولت له نفسه أن يشعل ناراً لن تبقي ولن تذر.
إننا اليوم لا نطالب… بل نحمل الدولة مسؤوليتها كاملة: نريد قوانين صارمة، واضحة، لا لبس فيها، تجرم خطاب الكراهية بكل أشكاله، وتضع كل من يروج له خلف القضبان دون تردد أو مجاملة أو حسابات سياسية. نريد محاكمات علنية مشددة تكون عبرة لكل من يظن أن تمزيق السودان يمكن أن يمر بلا ثمن.
فالسودان ليس حاكورة لقبيلة، ولا إرثا لعشيرة، ولا ملكاً لجهة دون أخرى. السودان وطن يسع الجميع، ومن لم يؤمن بذلك، فليعلم أنه يضع نفسه في مواجهة مع مستقبل هذا البلد، بل مع وجوده ذاته.
قال الله تعالى:
﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ سورة الأنفال 46
وهل هناك فشل أعظم من أن نتحول إلى شعوب متناحرة داخل وطن واحد؟
إن اللعب بورقة القبلية اليوم هو لعب بالنار في مخزن بارود. وإن استمرار هذا السيناريو البائس سيقودنا، لا قدر الله، إلى مصير مظلم شبيه بما حدث في رواندا، حين تحولت الكلمات إلى مذابح، والتحريض إلى أنهار من الدماء، فسقط الملايين ولم يبق إلا الندم.
فهل ننتظر حتى نصل إلى تلك اللحظة؟
هل نحتاج أن نرى الجثث في الشوارع حتى ندرك أن الكراهية ليست وجهة نظر؟
الأدهى والأمر، أن العالم الذي يتباكى علينا في البيانات لن يحرك ساكناً حين ننهار، بل قد يرقص طربا على أشلاء وطن كان يمكن أن يكون. نعم، سيتفرجون، وربما يستثمرون في خرابنا كما يحدث الأن من دويلة الشر وغيرها، ونحن من أشعل الفتيل بأيدينا.
لهذا نقولها بملء الفم: كل من ينشر خطاب الكراهية هو مجرم، وكل من يصمت عنه شريك، وكل من يبرره خائن لفكرة الوطن.
لقد آن الأوان أن نجتث هذا السرطان من جذوره، لا بالمواعظ وحدها، بل بالقانون الرادع، وبالوعي الجمعي، وبموقف وطني لا يساوم على وحدة السودان.
وفي الختام، أستحضر قول الشاعر:
“بلاد إذا ضاقت بأهل وفائها”
“فلا خير في أرض تضيق الكراما”
فلا تجعلوا السودان يضيق بأهله… ولا تسمحوا للكراهية أن تكون هي الحاكمة، فإما أن نكون وطنا يجمعنا، أو نكون حكاية مؤلمة تروى عن وطن كان هنا… ثم اختفى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

*المواصفات والمقاييس بالبحر الأحمر تجتاز اختبارات كفاءة دولية وفق معيار ISO 17025*

بورتسودان : تي نيوز     أعلنت المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمق…